أثبتت أزمة إغلاق مضيق هرمز الأخيرة مدى مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على التكيف مع صدمات الطاقة، مبرهنة على أن العالم لم يعد رهينة مطلقة للنفط، كما كان في العقود الماضية.
المشهد الراهن أثبت أن هيكل الاقتصاد العالمي أصبح أكثر متانة وتنوعاً، وأن العالم لم يعد رهينة لبرميل النفط بالقدر الذي كان عليه قبل عقود
ورغم أن إعادة فتح المضيق بموجب مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يخفف من أزمة الطاقة التي استنزفت النمو وأجّجت التضخم، إلا أن المفاجأة الكبرى تمثّلت في عدم تعرض المنظومة الدولية لصدمة عنيفة مقارنة بالصدمات التاريخية السابقة.
ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن الأزمة الأخيرة كشفت أن الوفرة في الاحتياطيات، والبدائل السريعة لخطوط الإمداد، بالتوازي مع الطفرة غير المسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي، قد شكلت معاً "حزام أمان" خفّف من وطأة الأضرار؛ وهو ما يمكن تلخيصه في 5 دروس رئيسية:
1- احتياطات قوية خفّفت الصدمة
بحسب تحليل الصحيفة، دخلت العديد من الدول الكبرى هذه الأزمة وهي تتمتع بمستويات وفيرة من الإمدادات؛ حيث كانت المصانع والمستوردين في أوروبا وآسيا يمتلكون مخزونات تجارية واستراتيجية قوية تراكمت خلال عام 2025.
- تفاوت التأثير: في حين واجهت دول غنية مثل بريطانيا واليابان مظاهر تقشفية محدودة كتراجع مبيعات الوقود، سقط العبء الأكبر على الدول النامية مثل بنغلاديش وسريلانكا التي اضطرت إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية لتقليل استهلاك الطاقة؛ شملت تقنين توزيع الوقود، وإغلاق المدارس والمكاتب الحكومية، وتقييد استخدام أجهزة التكييف لتوفير الكهرباء.
- انخفاض أقل في الطلب: تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 5% (حوالي 5 ملايين برميل يومياً) في الربع الثاني من العام، وهو نصف حجم التراجع (10%) الذي شهدته الأزمات التاريخية الكبرى كحرب الخليج الأولى (1980) وحظر النفط العربي (1973).
الهيدروجين الأخضر.. الورقة الإماراتية في اقتصاد ما بعد النفط - موقع 24تواصل دولة الإمارات تعزيز حضورها في صناعة الهيدروجين، التي تُعدّ إحدى أكثر الصناعات الواعدة في الاقتصاد الأخضر، وأحد المكونات الرئيسة لمصادر الطاقة المستقبلية الهادفة إلى خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف الاستدامة.
2- مرونة غير مسبوقة في سوق النفط العالمي
أوضحت الصحيفة أن المخاوف التي توقعت قفز أسعار النفط إلى 150 أو 200 دولار للبرميل لم تتحقق، بفضل سرعة ابتكار المنتجين لطرق بديلة وزيادة إنتاج دول أخرى:
- دولة الإمارات: اعتمدت بشكل أكبر على خطوط الأنابيب لنقل النفط من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.
- القارة الأمريكية: سجّلت الصادرات الأمريكية مستويات قياسية، بينما قفزت صادرات فنزويلا بنسبة 43% في الأشهر الثلاثة الماضية، وزادت صادرات البرازيل بمقدار الثلث لتغطية العجز.
3- تنوع الطاقة يحمي الاقتصاد الصيني
رغم تراجع واردات الصين النفطية بنحو 3 ملايين برميل يومياً، لم تظهر علامات شلل واضحة على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بل أثبتت قدرتها على التكيف مع الظروف الطارئة دون حدوث اضطرابات اقتصادية واسعة، وذلك عبر السحب من احتياطياتها الاستراتيجية والبحث عن موردين بديلين، إضافة إلى خفض معدلات التكرير.
وتعكس هذه المرونة تحوّلاً استراتيجياً في الاقتصاد الصيني خلال السنوات الأخيرة، حيث توسع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والفحم في توليد الكهرباء، بالتزامن مع الانتشار السريع للسيارات الكهربائية، ما ساهم في تقليص الطلب على الوقود التقليدي وخفض حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات أسواق النفط العالمية.
4- كفاءة الطاقة.. حائط الصد التاريخي
أيضاً سلطت الأزمة الضوء على التحسّن الكبير في كفاءة استخدام الطاقة عالمياً؛ فبحسب بيانات البنك الدولي، انخفضت كثافة استهلاك الطاقة (أي كمية الطاقة اللازمة لإنتاج دولار واحد من الناتج المحلي الإجمالي) بنحو 33% في الولايات المتحدة وأوروبا منذ عام 2000، وبنحو 40% في الصين.
ويعود هذا التحول الفعال إلى زيادة الاعتماد على القطاعات الخدمية (كالتمويل والرعاية الصحية) على حساب الصناعات الثقيلة، والتوسع في الطاقة المتجددة (الرياح والشمس)، فضلاً عن تطوير أجهزة كهربائية وعمليات صناعية موفرة للطاقة، وهو الدرس الذي استوعبته أوروبا جيداً بعد الأزمة الروسية الأوكرانية عام 2022.
اقتصاد جديد يولد من الطاقة المتجددة.. من سيكون الرابح والخاسر؟ - موقع 24تنطلق اليوم ثورة طاقة جديدة لا تكتفي بتغيير شكل المصانع، بل تعيد كتابة قواعد الثروة واللعبة الاقتصادية العالمية من الصفر، فبينما انشغل العالم لسنوات بمصطلحات براقة عن الاستدامة، جاءت أزمات الطاقة الأخيرة لتكشف أن التحول الحقيقي ليس مجرد "موضة" بيئية، بل هو زلزال يعيد ترتيب القوى ...
5- تعويض خسائر الأزمة بالذكاء الاصطناعي
واختتمت الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى الدور الحيوي الذي لعبته الطفرة الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي، والتي عملت كقوة دفع موازية امتصت صدمة الطاقة، حيث أدّى البناء المتسارع لمراكز البيانات والزخم التكنولوجي إلى إنعاش حركة التجارة والاستثمار ودفع أسواق الأسهم لمستويات قياسية.
وانعكست عوائد هذا الانتعاش الرقمي بشكل مباشر على الاقتصادات الآسيوية المصنعة لأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية؛ حيث تضاعفت قيمة صادرات تايوان بأكثر من 100% منذ بداية عام 2025، وارتفعت صادرات كوريا الجنوبية بنحو 80%، في حين سجّلت سنغافورة نمواً في صادراتها بنسبة 40%، ولحقت بها اليابان بزيادة قاربت 20%، مما دعم الحراك الاقتصادي في أجزاء رئيسية من العالم رغم وطأة أزمة النفط.
وبحسب رؤية "وول ستريت جورنال"، فعلى الرغم من أن الأزمة لم تكن مجانية التكلفة وتسبّبت في ضغوط تضخمية مؤقتة، إلا أن المشهد الراهن أثبت أن هيكل الاقتصاد العالمي أصبح أكثر متانة وتنوعاً.