تشهد سوق الأجهزة الإلكترونية تحولاً واضحاً مع تراجع ثقافة الاستبدال السريع لصالح إطالة عمر الأجهزة وإصلاحها، نتيجة الضغوط الاقتصادية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار.
يرى مراقبون أن هذا الواقع قد يدفع المستهلكين إلى تبني نهج جديد يقوم على إصلاح الأجهزة وصيانتها بدلاً من شراء أخرى جديدة، بما يخفف الأعباء المالية ويحد من النفايات الإلكترونية.
ويرتبط هذا الاتجاه بطفرة الطلب على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يفاقم الضغط على سلاسل توريد الرقائق والذاكرة ويرفع كلفة الإنتاج، لينعكس على أسعار المنتجات النهائية، حيث رفعت شركات كبرى مثل آبل أسعار بعض أجهزتها، فيما شهدت أجهزة الألعاب والحواسيب زيادات ملحوظة، أبرزها رفع سعر Xbox Series X بنحو 150 دولاراً، وارتفاعات وصلت إلى 600 دولار في بعض إصدارات مايكروسوفت، ما يعكس موجة تسعير جديدة في قطاع التكنولوجيا عالمياً.
التصليح بدلاً من الاستبدال
ويرى مراقبون أن هذا الواقع قد يدفع المستهلكين إلى تبني نهج جديد يقوم على إصلاح الأجهزة وصيانتها بدلاً من شراء أخرى جديدة، بما يخفف الأعباء المالية ويحد من النفايات الإلكترونية، خاصة أن تعطل أحد المكونات لا يعني بالضرورة انتهاء صلاحية الجهاز بالكامل.
كما تتزايد الدعوات عالمياً لتعزيز "حق الإصلاح"، إذ أقرّت ولاية أوريغون الأمريكية قانوناً يمنع تقييد استخدام قطع الغيار البديلة، بينما يفرض الاتحاد الأوروبي، اعتباراً من 18 فبراير (شباط) 2027، توفير بطاريات قابلة للاستبدال بسهولة في الأجهزة الجديدة، ضمن خططه للحد من النفايات الإلكترونية.
وفي الحالات التي يتعذر فيها الإصلاح، يبرز خيار شراء الأجهزة المستعملة أو المعتمدة بعد إعادة التأهيل، باعتباره بديلاً أقل تكلفة من شراء الأجهزة الجديدة، مع ضرورة التأكد من مصدرها وضماناتها.
من الهواتف القديمة إلى "الذهب الرقمي".. عندما تحول الإمارات النفايات الإلكترونية إلى ثروة مستدامة - موقع 24بينما تتسابق الدول لتأمين احتياجاتها من المواد الخام والمعادن الاستراتيجية، تتجه الإمارات إلى مصدر مختلف للموارد لا يوجد في المناجم أو المحاجر، بل داخل ملايين الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والأدوات الإلكترونية التي تنتهي صلاحيتها كل عام.
أزمة مهارات لا أزمة أجهزة
وفي هذا السياق، كشف الخبير التقني سامي عبدالنور، في حديث خاص لـ "24"، أن تراجع عمليات إصلاح الأجهزة الحديثة لا يرتبط بانخفاض قابليتها للإصلاح، بل يعود إلى نقص الكفاءات الفنية المتخصصة على مستوى العالم، ما يدفع العديد من الجهات إلى الاعتماد على استبدال القطع بدلاً من إصلاحها.
ويوضح أن الأجهزة الحديثة باتت تتبع توجهاً "أدنوياً" (Minimalist) في التصميم الداخلي، مما جعل تفكيكها واستبدال قطعها الأساسية أسهل تقنياً من السابق، لدرجة تمكّن المستخدم العادي من تعلم المهارات الأساسية وتطبيقها بنفسه، مشيراً إلى أن الإصلاح يستغرق وقتاً أطول بكثير من الاستبدال، ما يجعل الأخير الخيار الأكثر عملية، رغم تحمّل العميل تكلفته.
الأجهزة المجددة.. حذر واستثناءات
وحول مدى جدوى الاعتماد على الأجهزة المعاد تجديدها كبديل اقتصادي، يُظهر "عبد النور" تحفظاً شديداً بناءً على معاينات السوق، قائلاً: "لا أنصح مطلقاً بشراء الأجهزة المجددة إلا إذا كانت من خلال الوكيل المعتمد الذي يمنح ضماناً رسمياً حقيقياً، فأغلب المحلات غير المعتمدة تشتري هواتف تالفة يصعب إعادتها لوضعها الطبيعي، أو تستخدم قطع غيار رديئة الجودة وتبيعها بأسعار مرتفعة".
وبدلاً من ذلك، يقترح الخبير التقني بدائل أكثر أماناً للمستهلك:
- الشراء من محيط موثوق: شراء هاتف مستعمل من الأصدقاء أو أفراد العائلة، والتحقق من صحة البطارية وسجل الصيانة عبر المواقع الرسمية.
- الرقابة الذاتية على الصيانة: في حال الاضطرار للصيانة لدى ورشة مستقلة، يفضل شراء قطع الغيار الأصلية من أسواق موثوقة والطلب من الفني تركيبها تحت إشراف مباشر، مع إلزام المحل بفاتورة تفصيلية تمنح العميل حقه القانوني أمام جهات حماية المستهلك.

دليل حماية الأجهزة وإطالة عمرها الافتراضي
ويقدّم الخبير التقني سامي عبد النور مجموعة من الضوابط والممارسات اليومية التي تضمن استدامة الأجهزة لأطول فترة ممكنة وتأجيل قرار الاستبدال متكرر:
- إدارة شحن البطارية: الحفاظ على مستوى الشحن بين 20% و80%، وتفعيل خاصية حفظ الطاقة عند انخفاضها، وتجنب استخدام الهاتف تماماً أثناء توصيله بالشاحن.
- سلامة ملحقات الشحن: استخدام الأسلاك والقوابس الأصلية المعتمدة من الشركة الأم فقط، والابتعاد عن الشواحن المقلدة واللاسلكية الرديئة لما تشكله من خطورة تتعدى تلف الجهاز إلى احتمالية الانفجار. يضاف إلى ذلك تجنب الشحن المتكرر في السيارة والاستعاضة عنه بالبلوتوث، والاعتماد على الشواحن المحمولة في حالات الضرورة فقط.
- استهلاك الطاقة في السفر: حصر استخدام بيانات التجوال على التطبيقات الضرورية فقط، حيث يتسبب الاستهلاك المفرط للبيانات في إضعاف العمر الافتراضي للبطارية.
- مراعاة البيئة والمناخ: تقليل استخدام الأجهزة في الأجواء الحارة والأماكن المفتوحة لتفادي الإجهاد الحراري الناتج عن محاولات التبريد الذاتي ورفع سطوع الشاشة، مع تجنب الأغطية والواقيات رديئة الصنع التي تكتم الحرارة.
- تحسين الأداء الرقمي: تنظيف الجهاز دورياً من الفيروسات، وحذف التطبيقات غير المستخدمة، والتريث قليلاً قبل تثبيت تحديثات النظام الكبرى للتأكد من خلوها من العيوب البرمجية التي قد تضر بالجهاز.
- ترشيد الاستهلاك الميكانيكي: خفض الجودة أثناء الألعاب، واعتماد جودة تصوير معقولة في الفيديوهات (في حال لم يكن المستخدم صانع محتوى محترف) لتقليل العبء والضغط على المعالج والذاكرة.
نصيحة أخيرة للمستهلك قبل الشراء
في الوقت ذاته، يشدّد الخبير التقني على ضرورة الامتناع عن الشراء في الوقت الحالي إلا في حالات الضرورة القصوى (مثل التوقف التام للتحديثات الأمنية للجهاز)، نظراً لارتفاع الأسعار الحالي مقارنة بالجودة، والاكتفاء بالمواصفات المطلوبة فعلياً دون مبالغة.
وعند الشراء، ينصح بالتوجه دائماً للوكيل المعتمد والمصدر الأم داخل الدولة، وتجنب النسخ غير المخصصة للسوق المحلي تجنباً للمشاكل التقنية ومشاكل التوافق، مشيراً إلى أن دولة الإمارات توفر منظومة اعتماد واضحة عبر هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية (TDRA) تضمن للمستهلك جودة المنتج ومطابقته التامة للمواصفات.