المرشد الأعلى علي خامنئي
المرشد الأعلى علي خامنئي
الثلاثاء 21 مايو 2024 / 11:36

مقتل رئيسي يشعل فتيل الصراع على السلطة

في خضم الحرب الإقليمية، يلوح في الأفق اقتتال في الداخل الإيراني بين رجال الدين والحرس الثوري.

سيعتمد مجتبى على الحرس الثوري الإيراني لتجاوُز أي ردود أفعال عنيفة

عندما فاز إبراهيم رئيسي برئاسة إيران عام 2021، ظن بعض الإيرانيين أن فوزه كان نقطة انطلاق إلى منصب أعلى، ففيما كانت تكثر الشائعات عن علي خامنئي، المرشد الأعلى السقيم الطاعن في السن، ساد اعتقاد أن رئيسي سيحل محله. لكن الأقدار كان لها رأي آخر. فبدلاً من أن يفوز بالمنصب الأعلى، كلّف الفوز بالرئاسة رئيسي حياته.  

في 19 مايو (أيار)، كان الرئيس عائداً من زيارة إلى أذربيجان المتاخمة، حيث افتتح سداً على الحدود. وفقدت السلطات الاتصال بمروحيته في منطقة جبلية على بعد 86 كيلومتراً شمال شرق تبريز.

وفي البداية أصرّ الجميع على أنه لا داعي للقلق، إذ نفّذت طائرة الرئيس المروحية هبوطاً اضطرارياً.

ورغم ذلك، أفادت وكالات أنباء إيرانية بأنه سافر براً إلى تبريز. لكن في غضون ساعات، حُذِفت التقارير وبدأ التلفزيون الرسمي ببث صلوات للرئيس. وفي صباح 20 مايو (أيار)، أكدت وسائل الإعلام الرسمية وفاة رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان.

رئيس صوري

وقالت "إيكونوميست" البريطانية إنه "من نواحٍ عديدة، كان رئيسي رئيساً صورياً. فالرئيس تابع للمرشد الأعلى. غير أن وفاته ستُزعزع السياسة الإيرانية. وسيضطر النظام إلى البحث عن رئيس جديد خلال فترة وجيزة في أوقات عصيبة. فالنظام متورط في حرب إقليمية تشمل عملاً عسكرياً مباشراً من إيران وشبكة وكلائها الإقليميين". 

ويفكر خصوم إيران، بما في ذلك أمريكا وإسرائيل والسعودية، في تعميق روابطهم الأمنية لمواجهة إيران. وسيتعثر الاقتصاد الإيراني، ويمكن أن يتضرر أكثر بسبب تشديد العقوبات الأمريكية. فضلاً عن ذلك، سيتفاقم الصراع داخل إيران الذي يلوح في الأفق  بسبب غياب أحد المرشحين البارزين لمنصب خامنئي.
ولفت التقرير إلى أنه ما زالت هناك أمور كثيرة غامضة، بدءاً من سبب تحطم طائرة رئيسي. فالسبب الرئيس إلى الآن هو سوء الأحوال الجوية. كان الجو ممطراً وضبابياً أثناء الرحلة، إذ قيل إن مدى الرؤية لا يتجاوز بضعة أمتار. وكانت الظروف سيئة للغاية، حتى إن عمال الإنقاذ لم يتمكنوا من الطيران بحثاً عن الرئيس، وحتى الطائرات المسيَّرة لم تتمكن من العثور على موقع الحطام. وأرسل الهلال الأحمر فرق البحث سيراً على الأقدام. وقد تكون الطبيعة هي الجاني.

 خلاف باطنها

ومع ذلك، يقول التقرير إن ظاهر السياسة الإيرانية مخالف باطنها، وقد بدأ كثير من الإيرانيين يطرحون تفسيرات أبشع.

ولرئيسي قائمة طويلة من الأعداء الداخليين، بداية من المعتدلين نسبياً الذين تعرضوا للتهميش وانتهاءً بالمحافظين الآخرين الذين يحسبونه رئيساً غير كفء. ومن المنطقي أن نتساءل عما إذا كان خصوم داخليون قد تآمروا على قتله. 

ولا عجبَ أن بعض الإيرانيين تساءلوا أيضاً عما إذا كان لإسرائيل يد في الحادث، فقد اشتبك الخصمان لمدة طويلة الشهر الماضي، بعد أن اغتالت إسرائيل جنرالاً إيرانياً في دمشق وردّت إيران بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة التي يزيد عددها على 300 صاروخ وطائرة مسيرة استهدفت إسرائيل.
وللموساد تاريخ حافل باغتيال خصوم إسرائيل، بما في ذلك في إيران، حيث قتل علماء نوويين بارزين.

لكن هناك أسباب وجيهة تدعو إلى الشك في مسألة تورط إسرائيل، فهي لم تصعِّد عملياتها أبداً إلى حد اغتيال رئيس دولة، وسيكون من الحماقة المخاطرة بعواقب قتل رئيسي، ذاك السياسي الذي لا يحظى بشعبية كبيرة ولا يملك الرأي الحاسم في كثير من القرارات السياسية الإيرانية الأهم.

وقلة من الإيرانيين سيأسفون على رحيله، فلن ينسى الإيرانيون أنه "القاضي المتشدد"، ومدعي عام طهران الذي ساعدَ على إرسال آلاف من السجناء السياسيين إلى هلاكهم عام 1988، ولن ينسوا تعاطيه الأخرق مع الاقتصاد، إذ حشد حكومته بالعسكريين ورجال الدين الذين أفقدوا الريال الإيراني 55% من قيمته في ثلاث سنوات. 

ويحدِّد الدستور عملية تعاقب واضحة، إذ يجب أن تُجرَى انتخابات جديدة خلال 50 يوماً، على أن يتولى نائب الرئيس محمد مخبر دزفولي الرئاسة حتى ذلك الحين، ويقرر مجلس الشورى الذي يتألف من مجموعة من رجال الدين والحقوقيين مَن يحق له الترشح.
قبل آخر انتخابات رئاسية في عام 2021، استبعد المجلس مئات المرشحين المحتملين. ومن بين السبع المسموح لهم بالمنافسة، كان رئيسي وحده لديه فرصة حقيقية للفوز. وفي حين أن النظام غير محبوب لدى كثير من الإيرانيين، فالأرجح أنه يمكن قمع أي احتجاجات عامة تندلع بسبب الانتخابات كما حدث في الماضي.
وكان رئيسي مرشحاً مثالياً لنظام يعاني من الاضطرابات. ولم يستطع أحد التشكيك في أوراق اعتماده المتشددة، لكنه كان يفتقر إلى قاعدة قوة تخصه. وكان المحافظون الدينيون يعقدون الآمال على استغلاله لتعزيز مصالحهم، وكذلك فعل العسكريون في الحرس الثوري الإيراني، وليس من الواضح مَن يستطيع أداء هذا الدور.
يبدو أن الحرس الثوري صاعد سياسياً. ونفوذه العدائي يفسِّر الهجوم الإيراني الأخير غير المسبوق على إسرائيل. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أنه يود أن يُنظَر إليه على أنه المسؤول عن تعيين الرئيس، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن صاحب هذا المنصب يتحمل لوم الجماهير على الوضع الاقتصادي المُتردي لإيران.
لكن الخلافة الأهم، برأي التقرير، تكمن في المستقبل البعيد قليلاً. فقد بلغ خامنئي 85 عاماً الشهر الماضي. وفي السنوات الأخيرة ظن الإيرانيون أن هناك اثنين فقط من المرشحين البارزين لتولي منصبه بعد وفاته، أحدهما مجتبى الابن الثاني لخامنئي الذي تجلّت مؤهلاته الدينية في السنوات الأخيرة وكان ملتزماً بطول عمر النظام.

أما الآخر فهو رئيسي. وعلى الرغم من ذكر رجال دين آخرين باعتبارهم مرشحين مفاجئين، من الصعب أن نتخيل حصولهم على دعم كافٍ.
ومع ذلك، لم يكن لأي من المرشحين الأوفر حظاً تفوق واضح، فرئيسي لم يكن يتمتع بشعبية، وكان مجتبى يمثل انتقالاً للسلطة بالوراثة في نظام وصل إلى السلطة بالإطاحة بنظام ملكي وراثي. ومع وفاة رئيسي، يبدو أن طريق مجتبى إلى المنصب الأعلى أمسى ممهداً.

أيام عصيبة تواجه النظام

سيعتمد مجتبى على الحرس الثوري الإيراني لتجاوز أي ردود أفعال عنيفة، وهذا بدوره قد يعزز دور الحرس الثوري داخل النظام.

ربما تتطور إيران من نظام هجين عسكري وديني إلى نظام أكثر عسكرة وقد يعني ذلك انحسار الطابع الديني المُحافِظ في الداخل، لكنه سيفضي إلى مزيد من العداء في الخارج.
لسنوات طويلة حاول المتشددون ضمان خلافة سَلِسَة. فقد نصَّبوا رئيسي رئيساً ووضعوا حشداً من المحافظين في البرلمان.

والآن يتعين عليهم إيجاد رئيس جديد في فترة وجيزة، وسيتساءل بعض السياسيين عما إذا كان سياسيون آخرون قد دبَّروا حادث تحطم المروحية لتعزيز مصالحهم. سيواجه النظام الإيراني أياماً عصيبة مُستقبلاً.