طفلة أمام شعار أنا متسامح (أرشيف)
الإثنين 24 يونيو 2024 / 18:53
المتشددون من العلماء أو أشباههم استغلوا سذاجة العامة وفضاء الإعلام
من المحن التي ابتليت بها الأمة، ليس أنها أمة لا تقرأ بل أمّة يُقرأ عنها بالإنابة، فقد اعتمدت على الغلاة من العلماء والوعاظ الجدد في الاتكاء على قراءاتهم وأفكارهم في الدين، وقد خدم مآربهم وأيدولوجياتهم، وأفضى بنا إلى إيمان مطلق بالعصمة للعلماء، وأن كلامهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ثمّ حققوا ما يصبون له، وقد تم تلقين الشباب وتوجيههم لمآرب الجماعات والتنظيمات، فبتنا نعاني من ثقافه فقهيّة متشددة، سواء في تكفير الدولة ككيان أو في تكفير المجتمع، وقسمت مجتمعاتنا إلى فرق مبتدعة وضالة، وأن هناك فرقة واحدة هي الناجية.. الخ، وذلك عبر المنصات والتواصل الاجتماعي؛ لأنه تيار يحمل كمّاً هائلًا من الغلو والتطرف، وفكرًا مرتبطًا بالماضي منقطع الصلة عن الحاضر.
المتشددون من العلماء أو أشباههم استغلوا سذاجة العامة وفضاء الإعلام، وسرقوا البساط من تحت أقدام القوى السنّية المعتدلة أو من أهل الحق من الوطنيين. لهذا أبعدونا عن التعايش ونأوا بنا بعيدًا عن التسامح، وشوّهوا قناعاتنا الأصيلة في قبول الآخر، والأدهى أنّ ذلك يحدث في عصر الانفتاح والتقاء الثقافات بين الشعوب.
ليس من قبيل المصادفة أن تكون "القاعدة" و"داعش" والتنظيمات الجهادية وأزلامهم من الشباب ذوي الشهادات العالية الذين كانوا فريسة سهلة للانخراط بالبغاة والإرهاب والتطرّف، ربما لأنهم لا يمتلكون فكرًا حرًّا طليقًا، فهم يقرأون ويفهمون الدين كما يراد لهم أن يفهموه، إذا قرأوا يقرؤون ما يوافق أتباعهم وأهواءهم وطرائق تفكيرهم، سواء المهندس أم الدكتور أم العالم، لأنّ هناك من ينوب عنهم في القراءة في كتب التراث والتاريخ والفقه، واستخلاص رؤاهم سواء في تكبير جزء من الدين ليطغى على الباقي، أو تضييق الفهم لمعاني الدين السمح والمتعايش، وتقليص دور الوطن والمواطنة.. الخ، حينئذ تتكوّن ثقافة دينية انتقائيّة تحمل الضلال والزيغ بالأدلة والإثباتات من الأسانيد الضعيفة والروايات المجهولة التي يتم تصحيحها، لهذا بات الشباب عاجزًا عن أن يحمي نفسه من ضلالات التشدّد والعنف أو الاختراق الثقافي.
إنّ الأمّة بحاجه إلى جمع هذه الأفكار الضالة ثم تصفيتها ممّا علق فيها، وإرجاع هذا الإرث الفكري ورموزه إلى مصدره الأول ومنبعه الصافي، والأخذ بكل القواعد العريضة للثقافة الإسلامية المتسامحة.
يعتمد فكر الإنسان المتسامح ومدى انفتاحه ونبوغه أوّلًا على أن يكون له فكر حرّ طليق، من ثم التوجّه منذ الصغر إلى القراءة الحرّة، وثالثًا أن يتطرّق إلى فهم العقيدة فهمًا صحيحًا نيّرًا منسجمًا مع الفطرة ومتفقًا مع العقل ويطمئن له القلب، بهذا الخط الفكري نستطيع حل تلك الإشكالية العميقة.
علينا صناعة القارئ الباحث والمتزن في تفكيره والمعتدل في ثقافته، الباحث عن الحق والخير والعدل، والتركيز على صياغة التنوع المعرفي والفقهي، والثقافة التي تنتمى إلى بيئة متسامحة قادرة على الانفتاح على مختلف الثقافات والتيارات والأفكار، والنهل من هذه الثقافة الخصبة، والإمارات مؤهلة لتتبوأ الصدارة في هذا المضمار، والاستفادة من مشروعها الفكري والثقافي والحضاري، فهي البيئة المتصالحة مع نفسها، والقادرة على فهم قيم التسامح والتعايش والانفتاح ونشرها.