الإثنين 29 يوليو 2024 / 16:44

مجموعة برينتزلاوير بيرغ، مدرسة شعرية ألمانية

برينتزلاوير بيرغ هو أحد أحياء القسم الشرقي من العاصمة الألمانية برلين. وكان منذ عهد ألمانيا الشرقية سابقاً مركزاً للمثقفين والأدباء والفنانين، ومركزاً ثقافياً للإبداع بمختلف أطيافه. وبقي الأمر على ذلك خلال الفترة الأولى بعد الوحدة الألمانية، إلى أن غزت شركات البناء الكبرى هذا الحي، مما جعله حياً سياحياً باهظ الأسعار فقيراً ثقافياً، مقارنة مع ما كان عليه سابقاً، كون المبدعين لم يعد بمقدورهم دفع أجور السكن والعمل في هذا الحي.
في هذا الحي نشأت مجموعة ثقافية حول الشاعر الألماني بيرت بابنفوس، الذي كان حتى وفاته في العام الماضي عن عمر يناهز 67 عاماً بسبب مرض عُضال، يمثل الشخص المُلهِم لمجموعة برينتزلاوير بيرغ.
في "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" سابقاً، واجه بابنفوس صعوبات كثيرة في نشر نصوصه. وغالبًا ما كان ينشرها في دور نشر صغيرة خاصة، ويرفض نشرَها في دور نشر كبيرة، كانت تأمل في أن تحظى بنصوصه لنشرها. كان بابنفوس يقدم أعماله للجمهور بمرافقة موسيقية.
وصف لغَتَه ذات مرة متهكماً بأنها "مزيج من الباروك، والدادائية، وبالطبع جميعها ممزوجة بعناصر لغوية كانت ومازالت إلى حد ما تستخدم في مناطق ما كان يُسمى بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، أي لغة الاشتراكية الواقعية".
منذ توحيد ألمانيا، نشر بابنفوس عدة مجموعات شعرية. وفاز في عام 1996 بجائزة مدينة راينسبيرغ. وفي عام 1998 حصل على جائزة إريش فريد الشعرية الهامة. وأشاد به حينها الشاعر فولكر براون ووصفه بأنه "حليف الكلمات واللاعب الملهم بالمعاني الذي لا يبحث ولا يأبه بالشهرة والأضواء".
ساعد الشاعر بيرت بابنفوس، في تشكيل ثقافة خاصة، بعيدة عما يسمى "مين ستريم". فقد سخّر المقاهي، التي كان يملكها ويديرها، للثقافة والشعر بشكل خاص، لمن لديهم ما يقولونه، حسب ما كان يقول. وكان يتأسف كثيراً على زوال هذه الظاهرة في منطقته بسبب الجشع في مراكمة المال على حساب الثقافة، لكنه بقي يأمل متفائلاً أن يصبح الأطفال أكثر عشقاً للثقافة يوماً ما.
قال بابنفوس في احدى المقابلات معه: "حصلت على العديد من المنح الدراسية والجوائز حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي. لكن كل ذلك أصبح قيد الماضي. لم أعد أرغب في القيام بمثل هذه المنح بعد الآن، لأنني أصبحت معتمدًا على نفسي. والتبعيات لأي طرف مانح ليست جيدة للكاتب المستقل. عليك أن تتعايش مع الكثير من الأشخاص الذين لا يثيرون اهتمامك على الإطلاق. كما أنني لست مهتماً بالأحداث التقليدية في المراكز الأدبية، والاحتفالات الرسمية، كلها مملة للغاية من وجهة نظري. لذلك خرجت من هناك. وكان ذلك جيدًا بالنسبة لي."
وحول رؤيته لجيل الشباب من الأدباء أجاب في تلك المقابلة: "ما يفعله بعضهم، غالبًا ما يكون أشبه بالعمل بالملاهي الليلية. نصوص سخيفة وضحلة المعاني. لكن ما يسمى بشعر السلام اليوم، الذي كان يسمى ذات يوم بالإيقاع الاجتماعي، فإنني أحببته دائماً وبحق."
أصدرت مجموعة بيرنتزلاوير بيرغ عدة مجلات أدبية تُعنى بالشعر، لكن أغلبها ما لبث أن اندثر بسبب عدم وجود ممول وارتفاع التكاليف.
من بين أفراد هذه المجموعة الشاعرة الشابة كريستين شولتز، التي تتحدث عن هذه المجموعة بأنها شكلت بالنسبة لها وللكثيرين من جيلها حافزاً على الكتابة والمثابرة في التجديد.
كريستين شولتز التحقت بهذه المجموعة وهي مازالت طالبة جامعية وشاركت في تحرير المجلة الشعرية التي كانت تصدرها المجموعة ونشرت مجموعة من القصائد فيها. صدر لشولتز حتى اليوم أربع مجموعات شعرية وكتاب للأطفال والعديد من الدراسات الأدبية النقدية حول فالتر بنيامين وهاينير موللروبيرتولت بريشت وفولفغانغ هيلبغ وغيرهم. وتضيف كريستين شولتز بأن مجموعة بيرنتزلاوير بيرغ كادت أن تمثل مدرسة شعرية جديدة، تحظى باهتمام كبار الشعراء الألمان والمترجمين والنقاد الأدبيين، لولا مرض بابنفوس ووفاته، التي أفقدت المجموعة أهم أعمدتها. يُشار في هذا السياق إلى حضور ما يزيد على ألف شخص حفل تأبين بابنفوس، الذي أقيم في مسرح فولكسبونيه وسط العاصمة الألمانية برلين.

بيرت بابنفوس

هذه الضربة لا أكثر

غروري
مغزول بخيوط عنكبوت
خيوط أفكاري
متنوعة الغرور
.
جرأتي العالية
ترفض
الشك
بأي يقين
.
إحساسي المتناهي
خسرته
في الممارسة
وتلفيق الكلام
.
في الزمن غير البعيد
في غياهب أنفاق الأرض
يمتد الحطام
سفينة غارقة مر عليها الزمان
.
هذا أنا
***

كريستين شولتز

في المساء

كلماتي كلها لكَ
ولكثرتها سأبدأ
أدعوها بحرارة لبرج الحمام
على لسان اليابسة الممتد في المحيط
رياحه المستمرة تحدد السير والعطايا
تثرثر مسترسلة مرتبكة قلقة
خيالات وتأويل لصور تروح وتجيء
بعشرات الألسن هديل الحمام
هدوء وسعادة وبهجة وقمر حالم بهيُ الكمال
من يفقد الحذاء يوماً يتعلم السير حافياً
جمعَ الحصى وجذَلَ الترنح
تتبعَ أثر الكلام والطيرانَ بأجنحة الامس
في الأفقَ العالمُ البعيد
جزيرة – نتقاسمها وقع خطانا فراشةُ في الحقول
تنتصب قاماتنا ونجرؤ على الانحراف قليلاً -
تدفئنا قشرةُ الجوز نكتمل النضوجَ بلون الحليب
وصولاً للصدف المفتوح والمسامات
حراكُ الثغور تكوّنُ الصمتَ غطاءً
ننصت كالأطفال
هذه شفاهنا: كل البدايات هاجسٌ
***

كرستين شولتز

مرثية بيرت بابنفوس

انهض وسر على ساقيك

كم هائل
من التحايل
والتمرد
على المجرفة وموت التبغ
وكم من مرة روضت الحروفَ وسخرت من الخاتمة وصوبت الخطأ
وثقلَ الأيام وفرضت الحفل على الحاضرين
آخر ساعة وكأس أخرى
ورشفة حياة
.
في غياهب الكلام
أنهكتَ الحروفَ
والنصوص وبعثرت الفضة
حّفزت كُلَّ المخالفين
بملء حنجرتك
نشرت الشراعَ حتى أسرَ الرياحَ
وثبّتَ المركبَ –
ضد المخاطر (حيطة)
.
كل البذور في النهر والضفاف
لا تناسب العبور
وفي كل مرة
تعود دائماً واقفاً
غير مستعدٍ للبيع
للدمار للبعثرة للغيبوبة
في حلٍ وانفصال
من كل التماس والتباس
.
في المشفى
مع طلوع الفجر عرف الشحرور
قبلنا ما حل بنا -
إلى أي صوب روحت منّا
الجروح
تراكمت طبقات
في العمق (بعد هذا الغياب) -
تنافر في نقاء
شكل القوافي