الثلاثاء 22 أبريل 2025 / 18:03
حين حطّت طائرة قداسة البابا فرنسيس في مطار أبوظبي عام 2019، لم تكن تلك مجرّد زيارة رسمية، بل كانت لحظة تاريخية تخطّت حدود البروتوكول لتُلامس جوهر الإنسانية، ورسالة السماء في الأرض. لقد جاء البابا بروحه المتواضعة، وخطواته الهادئة، حاملاً في قلبه دعوةً للسلام، ورسالةً لكل من أثقله العنف وأرهقته الكراهية: يمكن للأديان أن تكون جسوراً، لا جدران.
في مدينة زايد الرياضية، اجتمع أكثر من 130 ألف شخص من مختلف الجنسيات والأعراق لحضور القداس الإلهي الأول من نوعه على أرض الجزيرة العربية. كان المشهد أشبه بحلم تحقق، فقد علت التراتيل بلغات العالم، واختلطت الدموع بالدعاء، في لحظةٍ نادرةٍ توحدت فيها القلوب. كان شعور المصلين المسيحيين لا يوصف، وهم يشهدون هذا الاحتفاء العلني بإيمانهم، في بلدٍ مسلم، يحتضن تنوعهم، ويصون حريتهم.
في رسالته المؤثرة خلال القداس، خاطب البابا أتباعه بلغة الأبوة والرجاء، مؤكدًا أهمية التواضع، وخدمة الآخر، والحفاظ على المحبة كقيمة لا تهزمها المسافات ولا يبددها الخوف. تلك الكلمات لم تكن مجرد خطاب، بل نبض حيّ ينبعث من قلب رجلٍ آمن دومًا بأن الدين لا يُبنى بالحواجز، بل بالتلاقي، ولا يُترجم بالانغلاق، بل بالانفتاح.
لكن اللحظة الأهم لم تكن فقط في القداس، بل في تلك الوثيقة التاريخية التي وقعها البابا فرنسيس مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب: وثيقة "الأخوة الإنسانية"، التي تُعرف أيضًا بالوثيقة الإبراهيمية. كانت هذه الوثيقة، التي وُلدت من أرض الإمارات، بمثابة إعلان عالمي للسلام، وتجديدًا لفكرة أن الأديان الكبرى، رغم اختلافها، تتقاطع في دعوتها إلى الخير، والعدل، والرحمة.
تحمل الوثيقة رسائل إنسانية عميقة، أبرزها: نبذ العنف باسم الدين، والدعوة إلى المساواة بين البشر، واحترام حرية المعتقد، ورفض التمييز بكل أشكاله. إنها دعوة لتجديد الفهم الديني، وتحريره من قبضة التشدد، وتحويله إلى طاقة نور، لا أداة ظلام. وهذه الوثيقة، بما تحمله من صدق في النوايا، يمكن أن تكون منطلقًا حقيقيًا لبناء تحالف إنساني عالمي، يكافح التطرف، ويعزز ثقافة الحوار.
في خضم هذا التقارب المسيحي الإسلامي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذجٍ فريد في المنطقة. فهي لم تحتضن فقط هذه اللحظة التاريخية، بل هيأت لها الأرض الصالحة، بثقافتها الراسخة في التسامح، وبنيتها الاجتماعية متعددة الجنسيات. اليوم، تضم الإمارات أكثر من 40 كنيسة، تحتضن مئات الآلاف من المسيحيين من شتى المذاهب، وتوفر لهم حرية العبادة وممارسة الشعائر بكل احترام.
ولعلّ قصة أول كنيسة بُنيت في الإمارات هي في ذاتها شاهد على هذا التعايش. ففي ستينيات القرن الماضي، قدّم المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي آنذاك، قطعة أرض لبناء كنيسة القديس يوسف، تقديرًا للعمال المسيحيين الذين ساهموا في بناء الدولة. لم تكن تلك خطوة سياسية، بل تعبيرًا عن رؤية إنسانية متجذرة في ثقافة الإمارات.
إن ما بدأه البابا فرنسيس من دعوةٍ للسلام في أبوظبي، لا ينبغي أن يُترك في صفحات التاريخ فقط. بل يمكن البناء عليه عبر برامج تعليمية، ومبادرات شبابية، ومنصات إعلامية تُرسخ ثقافة اللقاء والانفتاح، وتحمي الأديان من أيدي المتعصبين.
لقد رحل كثير من الزعماء، لكن قليلين من تركوا أثرًا في الأرواح. البابا فرنسيس، في زيارته، في كلماته، في توقيعه على الوثيقة الإبراهيمية، لم يكن مجرد قائد ديني، بل كان إنسانًا يحمل قلب العالم، ويضعه أمام مرآة السلام. ومن أبوظبي، خرج نداءٌ جديد: "لنصنع المستقبل معًا، لا على أنقاض اختلافنا، بل على أرضية إنسانيتنا الواحدة."