الجمعة 25 أبريل 2025 / 21:42
قبل أيام، انعقدت الدورة الثالثة من مؤتمر الدراسات الإسلامية، الذي تنظمه جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. حملت الدورة عنوان “المواطنة والهُويَّة وقيم العيش المشترك”، وشهدت مشاركة نخبة من المفكِّرين والأكاديميين في العلوم الإنسانية اللامعين، من داخل الدولة وخارجها.
جاءت هذه الدورة لتؤكِّد أن الجامعة لا تقدم نفسها كمؤسسة أكاديمية فحسب، بل كمركز فكريٍّ رائد يُعنى بإعادة بناء المفاهيم الكبرى التي تنهض عليها المجتمعات المعاصرة، وفي مقدمتها المواطنة، والهوية، والتسامح، والسِّلم، والانتماء الإنساني.
وكانت لي فرصة المشاركة في فعاليات هذا المؤتمر، عبر إدارة والمشاركة في ندوة “الهوية الوطنية”، ضمن محور “المواطنة والانتماء: مداخل فلسفية وأبعاد قيمية”، إلى جانب الصديقين الدكتور عبدالله ولد أباه، أستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة نواكشوط، والدكتور البدر الشاطري، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في كلية الدفاع الوطني. وقد تناولنا خلالها مفهوم الهوية، التي نراها جوهر كل حضارة إنسانية راقية، وكما لا يخفى عليكم، فإنها تعدُّ واحدة من أهم القضايا التي تتصدر أولويات العمل الثقافي والفكري في دولة الإمارات.
إن قضية الهوية ليست مسألة تخصُّ التراث أو الماضي فقط، بل هي منظومة حيَّة، تتفاعل مع المتغيرات، وتُعيد تشكيل ذاتها باستمرار من خلال التفاعل مع الآخر.
وقد لخّص سعادة الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، هذا المعنى في كلمته الافتتاحية الملهمة للمؤتمر، حين قال: “لم يكن الوطن عند زايد مجرد جغرافيا، بل روحاً تسري في أبنائه، وعهداً يلتزمه كل مواطن ومقيم على أرضه”. وفي هذا اختصر سعادته، بكلماته، الرؤية الإماراتية للهوية، بوصفها انتماءً يتجاوز الحدود المادية، إلى القيم التي تُسكن الإنسان في وطنه، وتمنحه الدور والمعنى والرسالة.
وكما نرى، فإن الهوية ليست مغلقة أو منغلقة، بل منفتحة ومتغيرة، لها ثوابتها التي تحفظ الاتساق، كما لها متغيِّراتها التي تسمح بالحوار والانفتاح. وقد عرّفها الشريف الجرجاني، في كتابه التعريفات، بأنها: “الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق، اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق”. وهي بهذا التصور، تتجاوز التعريفات السياسية أو الإثنية، لتصبح وعياً شاملاً بالذات وعلاقتها بالآخر والعالم.
ومن اللافت اليوم أن مفهوم الهوية بات يواجه تحديات غير مسبوقة، لا سيما مع دخول الذكاء الاصطناعي في تشكيل وعي الأجيال الجديدة. فالمسألة لم تعُد مقتصرة على التعليم أو الإعلام، بل تتعلق بإعادة بناء المعنى نفسه في ظلِّ منظومة معرفية وتقنية جديدة. وهنا، تبرز الحاجة إلى مناهج فكرية حديثة تُعيد تجديد الخطاب الديني، وتنقله من منطق التكرار إلى منطق التفاعل، ومن الانغلاق إلى فضاء الإنسانية الرحب، بما يُعزِّز احترام الآخر وقبوله، لا سيما في ظل تنامي خطابات الكراهية والانقسام على مستوى العالم.
وتبرز أهمية هذا المؤتمر في إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول مفاهيم المواطنة والانتماء والهُويّة، واقتراح مقاربات جديدة تتناسب مع السياق العالمي المتغيّر، وتُلهم المبادرات التي تسعى إلى بناء مجتمعات تقوم على السّلم والتعايش والتسامح، لا بوصفها شعارات، بل كقيم مؤسِّسة للعيش الإنساني. ومن هنا، تتجلى ضرورة هذه المنصات الفكرية الرصينة التي نحتاج إليها دوماً؛ لما لها من أثر في إثراء الوعي، وتوفير المناخ الملائم لإطلاق الأفكار المستنيرة.
وفي هذا المقام التأملي في دلالة الهوية بوصفها فعلاً إنسانيّاً مليئاً بالحياة، نستحضر بيتاً لأبي الطيب، يصف فيه التوترَ بين الانتماء والبحث، بين الذات والسؤال:
يَقولونَ لي ما أَنتَ في كُلِّ بَلدَةٍ
وَما تَبتَغي؟ ما أَبتَغي جَلَّ أَن يُسمى
إن البيت الشعري لا يجسد عمق مشاعر أبي الطيب بالاغتراب، وإنما يعيد صياغة سؤال الهوية ويكشف عن عمقه؛ فلا يعود مرتبطاً بالجغرافيا وحدودها: من أنت إذا تخطيت الحدود؟ ولكنه يتخطى ذلك ليربطه بأصالة نظرة الإنسان إلى نفسه، ومفهومه لهدفه ورؤيته في الحياة: ماذا تبتغي إذا أصبح السعي نفسه أسمى من أن يُحدّ؟ لذلك لا يجيب أبوالطيب عن السؤال بتعريف جغرافي أو بتحديد عرق، بل بجعل المتعجب غارقاً في التعجب، خاصة وأن هويته في حركته، لا في ثباته.
ويتقاطع هذا التصوّر العميق مع رؤية محمود درويش، حين يجعل من فِعل الكتابة طريقاً لاكتشاف الذات:
“اكتب لتعرفها
من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام، ويملك المعنى تماماً!”
كلا الشاعرين، وإن فرّق بينهما الزمن، يتفقان على أن الهوية ليست معطى نهائياً، بل حكاية تُكتب وتشيّد، ووعي يُصاغ، وصوت يُنتزع من صمت الغياب. فكما رفض أبو الطيب أن يُختزل في بلد أو اسم، فقد رأى درويش أن الاسم نفسه لا يولد إلا بالكتابة، وبسرد الذات في وجه اللاوجود.
بهذه الرؤية، يتعانق التراث مع المعاصرة، ويغدو الشعر شهادة أخرى على أن المواطنة والهوية ليستا قيوداً، بل إمكانات مفتوحة على أفق الإنسانية الكبرى، حيث الكتابة وعيٌ، والانتماء فعلٌ، والهوية رحلة لا تنتهي.
صحيفة البلد البحرينية