المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف
الثلاثاء 20 مايو 2025 / 09:11
تأمل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في إحياء نسخة معدلة من "صفقة السلام مقابل الازدهار"، من خلال نقل مئات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة، غير أن دعم واشنطن للممارسات الإسرائيلية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني في سوريا، يهدد بزعزعة استقرار الحكومة السورية وإحياء شبح الحرب الأهلية.
البيت الأبيض لا يخفي حقيقة أنه يريد أن يرى الفلسطينيين ينتقلون من غزة
ورأى الباحث جوشوا يابهي في مقال نشرته مجلة "ناشونال إنترست" أن هذه المبادرة المعقدة، والمفتوحة على احتمالات طويلة الأمد، تمثل نوعاً من المشاريع التي سعت إدارة ترامب لتجنبها، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تباين في المقاربات بين واشنطن وتل أبيب.
وأضاف يابهي أن البيت الأبيض لم يُخفِ رغبته في رؤية سكان غزة ينقلَون إلى خارج القطاع، بهدف إعادة إعماره لاحقاً، مع السماح بعودة عدد محدود من اللاجئين بعد خضوعهم للفحص الأمني.
وتنسجم هذه الرؤية مع السياسة الأصلية لإدارة ترامب التي سعت إلى إعادة هيكلة العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين عبر إطار قانوني واقتصادي موحد، من دون أن يصل إلى حد إقامة دولة فلسطينية.
واعتُبر هذا المسار بمثابة وصفة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وقد يمنح الرئيس الأمريكي حينها فرصة لنيل جائزة نوبل للسلام.
سعي إسرائيلي لإيجاد دول بديلة
وفي إطار تقاطع المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة، سعت تل أبيب لإقناع عدد من الدول الأفريقية، مثل جنوب السودان والصومال، بقبول استقبال لاجئين فلسطينيين من غزة، كما طرح المبعوث الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف، اقتراحاً بإشراك إندونيسيا في هذه الخطة، لكنه قوبل بالرفض في ظل غياب استراتيجية تفاوضية واضحة، أو خطة إعلامية متماسكة.
ورغم نفي دمشق، انتشرت أنباء في مارس (آذار) عن تواصل أمريكي غير مباشر مع الحكومة السورية، في محاولة لاستكشاف إمكانية توطين فلسطينيين في سوريا.
وفي الوقت ذاته، تمضي إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض. فمنذ انهيار وقف إطلاق النار في 17 مارس(آذار)، حوّلت نحو 30% من أراضي غزة إلى منطقة عازلة تنوي الاحتفاظ بها مستقبلاً.
وبعد السيطرة على ممر نتساريم الذي يفصل مدينة غزة عن شمال القطاع، استولت القوات الإسرائيلية على ممر موراغ الذي يعزل رفح عن خان يونس جنوباً.
سوريا في قلب الحسابات
ويرى الكاتب أن متابعة الدور الإسرائيلي في سوريا تكشف كيف تسعى تل أبيب لتغيير البيئة الإقليمية بما يخدم تسوية ملف غزة، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي عزمه على توسيع نطاق وجوده العسكري في جبل حرمون ومحيط القنيطرة، في خطوة ينظر إليها على أنها طويلة الأمد.
كما أتاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لقادة الطائفة الدرزية زيارات تاريخية إلى إسرائيل، وسمح للمصابين الدروز بتلقي العلاج في مستشفياتها، وفتح قنوات تواصل مع الأكراد السوريين، الذين يطالبون بالحكم الذاتي أو اللامركزية.
في هذا السياق، تُمسك إسرائيل بعدد من أوراق الضغط على النظام السوري، في تقاطع واضح مع المصالح الأمريكية. لكن التوجه الأمريكي الأحادي قد يعرقل هذه المساعي.
صفقة محتملة مع الشرع
ويوحي سلوك إسرائيل بأنها تبقي الباب مفتوحاً أمام صفقة محتملة مع نائب الرئيس السوري السابق فاروق الشرع.
وتشير التصريحات العلنية لكبار المسؤولين الإسرائيليين إلى رغبة في إيصال رسالة للأطراف الإقليمية مفادها أن تل أبيب تملك أوراقاً تفاوضية يمكن أن تستخدمها في أي لحظة.
وتتمثل هذه الصفقة، وفقاً للتقارير، في انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من جنوب سوريا، وتقليص الانخراط مع الأقليات هناك، وتطبيع العلاقات مع تركيا، وإعطاء واشنطن الضوء الأخضر لاستعادة علاقاتها مع دمشق، مقابل استقبال سوريا لأعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين من غزة.
يذكر أن سوريا استضافت سابقاً مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، حيث تفيد بيانات وكالة "أونروا" بأن أكثر من 438 ألف فلسطيني يعيشون حالياً داخل الأراضي السورية، معظمهم في ظروف صعبة، رغم أن أوضاعهم كانت قبل الحرب الأهلية، أفضل من نظرائهم في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فإن فكرة إبرام صفقة إسرائيلية - سورية بشأن غزة تقابَل بقلق كبير في دول الخليج. ويبقى السؤال المطروح: هل تُدرك واشنطن أن نقل أعداد كبيرة من الفلسطينيين قد يُطلق شرارات عدم استقرار جديدة في الإقليم؟ وهل ستكون الولايات المتحدة مستعدة للتدخل لتقليل تداعيات مثل هذا السيناريو؟
في الوقت الراهن، يبدو أن الرهان الأمريكي يقوم على إمكانية التوصل إلى تفاهم إسرائيلي - تركي، يمكّن واشنطن من النأي بنفسها عن تداعيات أي فوضى مقبلة في سوريا.