الإثنين 9 يونيو 2025 / 12:11

أعيادنا احتفاء بالإنسان وتأصيل لقيمه السامية

إن إعادة بناء الأمَّة يتمثل في صفاء روحها، وفي الطمأنينة القلبيَّة وراحة النفس وسكينتها، والحفاظ على توازن المنظومة الأخلاقيَّة في المجتمع، فقد تعودنا في العيدين أن نَخرج بطاقة روحيَّة عالية، وقد تمَّ إشباع حاجياتنا الرمزيَّة القيميَّة، وتطهَّرنا من مساوئ الأخلاق والرذائل، وتحلينا بمكارم الأخلاق وبالفضائل والصفات الحميدة، إنها عمليَّة (التَّزكية) التي فتح الله بها  باب الأمل والرجاء، ذلك الباب الذي هو مفتاح نجاح الإنسان، ففي غيابها سبيل فشله، والمحصلة بعد كل موسم طاعة، وقد  أقسم الله- عزَّ وجلَّ- على فلاح من زكّى عن نفسهِ، لتطهيرها من الأدران والآثام، وتنميتها بزيادة الأوصاف الحميدة، وتزكية النفس وطهارتها من شروط الدخول إلى الجنّة.

فعمليَّة (التَّزكية) تعتبر مورداً من موارد التجدد والطاقة والإيجابيَّة، حينما تصبح النّفس والرّوح والقلب في أعلى مراتب الإيمان وأطهرها، يصبح العمل على تطهيرها من الرذيلة على قدم وساق: كالبخل والشح، والرياء والعجب .. إلخ، إنها عمليَّةٌ مستمرة لا تنتهي إلا بانتهاء الإنسانِ، لتظهَر آثارها ومعانيها في تفكيرِ الإنسان وسلوكه.

 ولهذا تضفي المناسبات الدينيَّة طابعاً من الالتزام من خلال استرجاع كل القيم الروحيَّة، والتعرف على الدروس الأخلاقيَّة، لتمثل مواسم الطاعات فرصة ثمينة للتوبة، والتقرُّب من الله تعالى، والوصول إلى مصافِّ الصالحين المصلحين، والمسارعين في الخيرات، وكلها مجموعة من العوامل والتجارب الأخلاقيَّة العالية، التي تقاوم كل الأفكار المسمومة وتحمي الفرد من الوقوع في براثنها، وتعمل على معالجة الظواهر المقلقة في المجتمع التي يتعرض لها الإنسان على مدار السنة.

ويأتي العيدان الإسلاميان بعد أهم فريضتين، فالصيام ليس منع الشَّراب والطعام، بل هو امتناع عما حرمه الله؛ ولأن الحج ليس أداء مناسك وشعائر، بل هو أفكار ترى الأخوة في تنوعه واختلافه، ولترسخ مكانة الأخلاق في النفوس، والتدرب على الانضباط والالتزام، من أجل الحرص على أن تكون عباداتُنا مقبولةً، كحرصِنا على أدائها في أوقاتها وأزمانها.

هذا فضلاً عن كونها خطوة إلى حرمان النفس من شهواتها ونزواتها، وتصحيح اتجاهات القلب، وضبط السُّلوك، وتحفيز النفوس نحو الطاعات، من خلال استحضار الأجر والثواب العظيم، لتتشكل مجموعة من القيم الإنسانيَّة المنسجمة مع الفطرة السليمة.

ولا يخفى أن الباعث الإيماني هو المحرك الفعلي لتصحيح المفاهيم، وتقويم السلوك المعوج؛ لهذا فإنَّ تردِّي الأخلاق في المجتمعات المسلمة مردُّه إلى ضعف الإيمان في النفوس، إنَّ الإلمام بأصول التعامل مع الله هو التعامل الأخلاقيّ مع الخلق، بما يحقِّق معاني الكرامة للنفس البشريَّة، فهو الطريق الصحيح للتديُّن الحقيقى، لتصبح أعيادنا احتفاءً بالإنسان وتأصيل لقيمه السامية، ولهذا أخبرنا نبينا أنَّه ما من شيء أثقل في ميزان العبد من حُسن الخلق، إذا أردنا أن نكون خير أمةٍ أخرجت للناس، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ولم يكن تكريمه إلا بالتَّسامي بالرُّوح وإعلاء قيمة الأخلاق للرَّفع من شأن الإنسان.