السبت 21 يونيو 2025 / 14:52
في الحادي والعشرين من يونيو من كل عام، تحتفي دولة الإمارات بـ«عيد الأب» كتقليد إنساني نبيل يكرّس مكانة الأب في الأسرة والمجتمع. وإن كان هذا اليوم يُعدّ مناسبة رمزية في الروزنامة العالمية، إلا أن صداه في الإمارات يحمل بُعداً أعمق، يتصل بتكريم من كان ولا يزال «السياج» الذي يحمي الأسرة، والبوصلة التي توجه الأبناء، والظلّ الذي لا يغيب.
لقد جسّد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، هذا المعنى العميق عندما نشر في عيد الأب عام 2024 صورة نادرة له مع والده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وهو يعلمه السباحة والغوص، وعلّق سموه قائلاً: "ولا نزال نرى فيك الوطن والأب والمعلّم."
تلك الصورة العابرة للزمن لا توثق لحظة شخصية فحسب، بل تختصر فلسفة بناء الدولة في الإمارات؛ فالعلاقة بين القائد والمجتمع، كما بين الأب وأسرته، علاقة تربية وتعليم، حماية وتوجيه، وثقة لا تنكسر.
إن معاني الأبوة جميعها، إنما تتجسد تمام التجسُّد في المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كانت الأبوة هي السمة التي ارتبطت به في الوجدان الجمعي لأبناء دولة الإمارات المتحدة، فهو «أبو الأمة»، وهو «الوالد المؤسس»، ومواطنو الدولة إذ يفخرون بلقب «عيال زايد» فإنهم ينطلقون مما يمثله الراحل الكبير من القيم المرتبطة بالأب، والمتمثلة في العطاء والرعاية والبذل والتوجيه والمحبة والحدب والمساندة والعطف والمسؤولية والتفاني وتقديم القدوة والنموذج الأكمل لكل أبنائه.
وفي عام المجتمع 2025، حيث تتعزز المبادرات التي ترسّخ التلاحم الأسري، والعمل التطوعي، والتفاعل الإيجابي بين الأجيال، يبدو الاحتفاء بعيد الأب لحظة مثالية لاستذكار الدور الجوهري الذي يؤديه الآباء في ترسيخ منظومة القيم المجتمعية.
والأب ليس مجرد مسؤول عن إعالة أسرته، بل هو شريك في التربية، ومصدر للاطمئنان، وصاحب قرار تربوي لا يقل أهمية عن أي قرار وطني. والاهتمام بالأب إنما هو اهتمام بالركن الركين في استقرار الأسرة وأمانها، وربان سفينتها، واستثمار مضمون في أجيال جديدة تمتلك من القوة والإرادة والتوازن والإيجابية والثقة بالذات ما يضمن بناء مجتمع متلاحم متجانس يعتز بهويته ويحافظ على منظومته القيمية والأخلاقية، يتعاون أفراده جميعًا على العمل من أجل رفعة الوطن وتقدمه ومنعته وازدهاره.

وفي هذا السياق، نتوقف عند المبادرة الإنسانية المضيئة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، خلال شهر رمضان الماضي، والمتمثلة في حملة «وقف الأب»، والتي تهدف إلى تكريم الآباء في دولة الإمارات من خلال إنشاء صندوق وقفي مستدام بقيمة مليار درهم، يُخصص ريعه لتوفير العلاج والرعاية الصحية للفقراء والمحتاجين.
إنها مبادرة تؤكد أن الأب ليس فقط مصدر الأمان والدعم، بل هو أيضاً عنوان للعطاء المتجدد؛ لأن «وقف الأب» ليس مجرد صدقة جارية، بل هو احتفاء جماعي بالقيم التي غرسها الآباء في أبنائهم، وتجسيد لروح التضامن التي تسعى القيادة الرشيدة إلى ترسيخها في نسيج المجتمع الإماراتي.
إن صورة الأب في الثقافة الإماراتية ليست غائبة أو هامشية، بل متجذّرة في الموروث الشعبي والحكمة المتناقلة عبر الأجيال. كان يُقال قديماً: «ظلّ الأب أوسع من سقف الدار»، إشارة إلى ما يمثله من أمان معنوي وعاطفي. وفي سياق معاصر، تبرز الحاجة إلى دعم هذا الدور وتعزيزه في ظل التحوّلات الرقمية والاجتماعية التي قد تباعد أحياناً بين أفراد الأسرة الواحدة.
وعام المجتمع، بما يحمله من دعوة لتفعيل كل طاقات المجتمع في خدمة بعضه البعض، هو فرصة لتسليط الضوء على الأب كمؤثر إيجابي، ولاسيما حين يتحوّل إلى قدوة يُحتذى بها في الانضباط، والكرم، وتحمل المسؤولية. الأب الذي يصغي ويحتوي ويوجّه، لا الذي يأمر ويغيب.
ربّما تعجز الكلمات عن ردّ الجميل للأب، لكن إدراك مكانته، والسعي لتعزيز العلاقة به، والاقتداء بنهجه، هي خطوات صادقة في الطريق نحو الوفاء. إن تشجيع الأبناء على التعبير عن امتنانهم، واستذكار لحظات التعلّم والتوجيه، يرسّخان في نفوسهم جذور الانتماء ويغرسان فيهم قيم الوفاء والاحترام العميق لدور الأب في حياتهم.
ولأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في أي مجتمع، فإن الاعتناء بدور الأب، وتمكينه تربوياً ونفسياً واجتماعياً، هو في جوهره أساس لاستقرار المجتمع ذاته. وحين ينجح الأب في أداء دوره كاملاً، فهو لا يخرج للمجتمع أبناء صالحين فقط، بل يقدّم مواطنين أقوياء واثقين بأنفسهم ووطنهم.
في عيد الأب، نقف وقفة تقدير وامتنان، وننحني إجلالاً لكل أبٍ أحسن تربية أبنائه، وغرس فيهم أجمل المعاني والقيم، ولكل أب ربّى بصبر، ووجّه بحكمة، واحتوى بمحبة. كما نذكّر بأن الاحتفاء الحقيقي لا يكون بيومٍ نُسجّل فيه عبارات الثناء، بل بأن نستبقي حضور الآباء في قلوبنا وسلوكنا، ونستلهم منهم كيف نحب الوطن كما أحبّوه، وكيف نمنح دون شروط، ونؤمن دون تردّد، ونقود بالقدوة لا بالكلام.