المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي (أرشيف)
المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي (أرشيف)
الإثنين 23 يونيو 2025 / 18:58

من العتبة النووية إلى بوابة جهنم

فجأة وفي عتمة طهران هوت "مطرقة منتصف الليل" الثقيلة، على رأس إيران بكل ما اخترعت "العبقرية" البيضاء من أدوات تدمير وخراب في "عملية جراحية"، للمفارقة، فاخر بها البيت الأبيض، وحليفه نتانياهو، بعد النجاح في القضاء النووي على الإيراني، من جهة، وتمهيد الطريق للشرق الأوسط الجديد، بفضل ما اتفقا على تعريفه بالسلام من خلال القوة، من جهة ثانية.

إن المطرقة التي هزت الشرق الأوسط بأكمله، لم تنزل على رأس نظام طهران وحده، فهي تهز أيضاَ كامل المنطقة وما وراءه دون شك من تركيا وربما باكستان شرقاً، إلى ضفاف المتوسط والأطلسي غرباً، فإزالة التهديد الوجودي الإيراني، أي المشروع النووي، بيد قوتين نوويتين إحداهما، إسرائيل، يطرح أكثر من سؤال، وأكثر من قضية عن حقيقة المشروع الأمريكي وخاصة الإسرائيلي لمستقبل الشرق الأوسط، إذ أصبحت الصورة أكثر وضوحاً اليوم رغم دخان فوردو الكثيف.

 الواضح اليوم أيضاً أن لا واشنطن ولا تل أبيب اتعظتا مما حصل على امتداد قرن أو أكثر في المنطقة، وفي العالم بأسره على امتداد قرون، وأن لا شيء اسمه السلام بالقوة، أو من خلال القوة، فلا روما نجحت في فرض السلام الروماني، أو ما يعرف بـ Pax Romana رغم القوة الهائلة للجيوش الرومانية، ولا المغول توفقوا، ولا حتى في هتلر في القرن الماضي نجح في إخضاع كل شعوب ودول أووربا بالحديد والنار.

أما في الشرق الأوسط، الذي كان على بعد خطوات مما سُمي "العتبة النووية" الإيرانية، قبل الحرب التي شنتها إسرائيل، فقد أصبح اليوم للأسف على مقربة من أبواب جهنم فعلاً. فإنهاء التهديد النووي لإسرائيل، أصبح تهديداً وجودياً لكامل المنطقة وربما العالم بأسره، ذلك أن الأمر الآن يضع إيران على حافة المجهول المخيف، وأمام احتمالات أحلاها كابوس طويل جديد.

إن بقاء نظام إيران في السلطة، رغم الكارثة ورغم الثمن الفادح الذي دفعه حتى الساعة، رغم تلميح ترامب، وتصريح نتانياهو، سيدفعه إلى استرتيجية جديدة لمنع انهياره السريع، ستجعله حتماً أكثر عدوانية، وربما تهوراً أيضاً، وذلك بالتوجه أكثر من ذي قبل نحو التشدد والعنف، داخلياً وخارجياً. ففي الداخل، ستشهد طهران حتماً، ليالي سكاكين طويلة، ستجري فيها دماء كثيرة، بعد المنعرج الأمني القاسي الذي سيدخله النظام، بالتخلص من العملاء والجواسيس والمندسين، فعلاً أو زوراً، الذين تسببوا في الكارثة العسكرية والأمنية، والمرجح أن تُقطف رؤوس كثيرة كبيرة، لأن حجم الاختراق واسع وهائل، ما يعني أن مسؤولين كباراً ربما من قادة الجيش أوالمخابرات أوالبرامج العسكرية وراءها، سيسلخون ربماً علناً قبل إعدامهم، كما حصل في محطات تاريخية كثيرة في إيران، منذ 1988، وهو ما سعت إليه إسرائيل على الأرجح، عندما كشفت الأمر عمداً، ربما بحثاً عن إذكاء خلافات وحرب أهلية طاحنة بين أركان النظام.

إن حملات التطهير والإعدامات، لن تقتصر على الخلايا السرطانية الداخلية في جسم النظام، بل ستطال حتماً قطاعات واسعة من الشعب ومن الشرائح الإيرانية المختلفة، ما سيزج بالمنطقة بأسرها، في أزمة نازحين ومهاجرين جديدة، ولنتخيل فقط ما يمكن أن يكون عليه، في بلد تعداده أكثر من 90 مليون نسمة، ولنذكر أيضاً في السياق وللمقارنة، مع حصل في أوروبا والمنطقة بسبب أزمة المهاجرين الهاربين من سوريا، التي تعد 15 مليوناً، فقط، وانعكاسها على دول الجوار، وعلى أوروبا.

أما على المستوى العسكري والسياسي، فإن ضعف النظام وترنحه، قد يدفعه إلى نووي الفقير، أي القنابل القذرة مثلا، وهي التي لا تتطلب بنية ضخمة، أو مفاعلات، أو غيرها من المنشآت التي يسهل إخفاؤها، لتصنيعها، أو لتصنيع أسلحة أخرى، لا تقل فتكاً وتخريباً، مثل الجرثومية، أو الكيمائية، أو ربما أخطر منها، لتتحول إلى تهديد "وجودي" جديد لحاكم تل أبيب، وحلفائه، وللمنطقة أيضاً، ويمكن التلويح بها لحماية النظام، أو حتى اللجوء إلى استعمالها، ضد أعداء الداخل، أوالخارج في المنطقة والعالم مباشرة أو عبر الشبكات العابرة للحدود، انتقاماً أو ثأراً، وهما مقومان أساسيان في الثقافة الفارسية الشيعية منذ قرون، أو "انتحاراً" لهدم المعبد على من فيه إذا بلغت الأزمة ذروتها، في ظل سوابق معروفة في إيران مثل  سابقة "تجرع السم" في زمن المرشد السابق الخميني، لوقف الحرب بين العراق وإيران في 1988، لكن هذه المرة قد تحاول طهران دفع المنطقة إلى تجرعه معها.

أما إذا سقط النظام، فتلك هي الطامة الكبرى، وهذا ليس دفاعاً عن النظام في طهران، فانهيار نظام المرشد باغتياله، أو بالقضاء على سلطته الدينية، والأمنية، سيعني تكرار مشاهد ألفناها كثيراً منذ 2003 للأسف من العراق، إلى "الربيع العربي" في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا، والتي لا تزال بشكل أو بآخر، كما يوم أمس، باندلاع حرائق ستلتهم ما تحقق من رصيد حضاري واقتصادي واجتماعي، تراكم في هذه الدول على مدى عقود.

وإذا سقط النظام في إيران، فإن ذلك لن يعني أن يتوجه الإيرانيون إلى الانتخاب للتصويت على برامج سياسية لمرشحين سيتسلمون السلطة بعد أن هربوا من السجون مثلاً أو عادوا من المنافي، في بلد شديد التعقيد، والتناقضات، والتباينات، بل سيتوجه قسم كبير منهم، إلى محاولة الخروج إلى العالم الرحب، الذي لن يرغب حتماً في إيواء آلاف وربما ملايين الهاربين من نعيم الملالي، وسينكفئ قسم آخر منهم على الذات أو الهوية، والقومية، في مناخ محموم، سيدفع إلى صدامات أو ثارات وانتقامات متبادلة لا شك فيها، بين موالين للنظام السابق، أو "العهد الذهبي" أي النوستالجيا السياسية الشائعة خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ما يعني أن "مطرقة منتصف الليل"، هدمت بناءً كان متماسكاً بطريقة أو بأخرى، طوعاً أو غصباً منذ أكثر من قرن، ليتفتت إلى كيانات طائفية، أو عرقية، ستعصف بما تبقى من النظام والبلاد بعد انفجارها بين عرب، وفرس، وأكراد، وأذر، وأرمن، وأتراك، ما سيضاعف حجم التحديات في المنطقة، الأمنية والسياسية، بسبب الإحباطات الجديدة الناشئة، والمتولدة عن الخيبات، والخسائر، والأحلام التي تبخرت.

ولكن الأخطر، أن هذا الشرق الأوسط الجديد، الذي بشر به نتانياهو، والذي صفق له ترامب، بين صفقتين أو مبارتي غولف، لم يكن غائباً عن ذهن الإسرائيلي، فهو يعرف أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً في طهران ما بعد الملالي، ولم يغب يوماً أيضاً عن ذهن صانعي القرار في واشنطن، من عسكريين وسياسيين واستراتيجيين، وهم الذين اصطدموا بذلك في العراق، وسوريا، وأفغانستان، وغيرها. ولكن واشنطن تصر على هذا المسار مدفوعة برغبتين الأولى من الدولة العميقة، التي تسعى إلى تعزيز المكاسب الاستراتيجية في المنطقة بالقضاء على أي تهديد مهما كان حجمه، لتظل المنطقة في حاجة إلى مظلة "العم سام"، والثانية "دولة البيزنس" التي يمثلها ترامب شخصياً، والمستعدة للنوم مع الشيطان نفسه، حتى لو قبضت فجراً مقابل ذلك جمراً وإرهاباً.

أما الإسرائيلي، فإن عينه التي "يملأها غير التراب" فيرى أن تخريب الشرق الأوسط، أفضل عنده من أعظم هدية في عيد الميلاد، إذ يفتح له الطريق، للهيمنة الكاملة عليه، بدل السعي إلى الاندماج فيه، وتوسيع دائرة "الحماية الوجودية" على حساب شعوبه ودوله، ولكن المشكلة أن نتانياهو، الذي لا يقراً التاريخ إلا من زاوية رؤيته "التوراتية المسيانية"، أي من زاوية القوة الهائلة لفرض السلام،  مثل كسرى، أو قيصر روما، يرفض الإقرار بأن الشعوب لا تُقهر، وإن كانت تهزم، وتضطر أحياناً للتسليم لكنها لا تستسلم أبداً، وسيصطدم القوي دائماً بمن سيطلع له من بين الصفوف لتحديه، تماماً كما في قصة داود وجالوط، في التوراة، ليتصادم معه رغم تفاوت القوى. ولذلك فلا يستغرب أن يحتك مثلاً، بعد أن أزاح طهران من على خارطة المنطقة، بإسطنبول، التي أصبحت على مرمى حجر من الجولان بعد انهيار النظام في سوريا، أو بجارة إيران النووية، باكستان، للقضاء كذلك على قد يشكل أيضاً تهديداً وجودياً لأمن إسرائيل "المحاطة بالأعداء". 

إن الشرق الأوسط الجديد، في نسخته التي أشرف على إخراجها نتانياهو، وترامب، ليس أكثر من كابوس طويل ثقيل، وأشد وطأة على أهله من أي مطرقة ثقيلة، في منتصف الليل، أو في واضحة النهار.