السبت 28 يونيو 2025 / 16:57
في حضرة الذاكرة، لا يُعوَّل على الأعمار، بل على البصيرة. ومن هذا الباب، تبدو جائزة «المؤرخ الشاب» التي ينظمها الأرشيف والمكتبة الوطنية، بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم، أكثر من مجرد مسابقة طلابية، إنها ورشة وطنية متجددة، تنبض بروح الأمل، وتضع بذوراً معرفية في تربة المستقبل.
خمسة عشر موسماً من العطاء التاريخي والعلمي، شكلت خلالها هذه الجائزة منارة تستقطب العقول الناشئة، وتشجعها على التفاعل مع ماضيها لا بوصفه ماضياً جامداً، بل بوصفه نبضاً حياً يمكن إعادة اكتشافه وإعادة قراءته بعين معاصرة وضمير محب. لقد أسهمت الجائزة، على مدى هذه المواسم، في تأصيل البحث العلمي لدى طلاب المدارس، ومكّنتهم من أدوات التحقيق والتمحيص والتحليل، فأثمرت بحوثاً بعضها تجاوز غرف الصف ليأخذ مكانه في المكتبات كمراجع منشورة، تؤرخ لزوايا ظلّت طويلاً تنتظر من يُنيرها.
إن التاريخ حين يُكتب بأقلام الناشئة، يحمل معنى مضاعفاً؛ فهو لا يُستعاد فحسب، بل يُبعث من جديد في وجدان جيل لم يعايشه، لكنه آمن بأنه يشكّل جزءاً من هويته. ومن هنا تبرز القيمة الكبرى لهذه المبادرة التي باتت تشكل تقليداً وطنياً، يستبطن رسائل عميقة في ما يخص بناء الانتماء، وترسيخ الشعور بالمسؤولية، وتكوين وعي معرفي لا ينفصل عن جذور الإنسان ومجتمعه.
لقد وُلدت فكرة الجائزة في سياق وطني آمن مبكراً بأن الحفاظ على الذاكرة مسؤولية جماعية، وأن زرع الوعي بتاريخ الوطن في نفوس الطلبة هو الخطوة الأولى نحو بناء مواطن مسؤول ومثقف. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تحظى الجائزة على مدى الأعوام الماضية بمكانة علمية وتربوية مرموقة، وأن تتسع دائرة المشاركين والمتحمسين لها، داخل الدولة وخارجها، بقدر ما يتسع الأمل بوطن يقوده شباب مؤمنون بماضيه وحاملون لرسالته.
إن ما يُميز هذه الجائزة ليس فقط اتساع فئاتها أو تنوع موضوعاتها، بل الرؤية التي تقف خلفها؛ رؤية تؤمن بأن الإنسان حين يُدرك تاريخ وطنه، يُحسن خدمته، ويُتقن الدفاع عنه، ويتفانى في رقيه. ولهذا نجد أن كل دورة من دوراتها تحمل بعداً إنسانياً ووطنياً، يتقاطع مع قيم الإمارات الراسخة: الوفاء، الولاء، المحبة، وحسن التقدير لما بناه الآباء المؤسسون.
وقد كنت سعيداً، خلال الحفل الأخير لتوزيع الجائزة، بتكريم مجموعة من الباحثين الصغار المتميزين، مع مشرفيهم الذين أسهموا في توجيههم ودعمهم. كما أسعدني أن أرى هذا الطيف الواسع من "المؤرخين الشباب"، من مواطنين ومقيمين، ممن وحّدهم الشغف بتاريخ الدولة التي يعيشون فيها، ما يعكس عمق حضور الإمارات في وجدان جميع من ينتمي إلى ترابها، أو يتفيأ ظلالها.
وفي ظل عام المجتمع 2025، تتضاعف رمزية هذه الجائزة؛ فالمجتمع الذي نطمح إلى تعزيزه ليس بناء مادياً فقط، بل هو روح حية تسري في الناس، وقيمٌ تتشكل في الوعي والسلوك. وإن أيّ رهان على المستقبل لا يستند إلى فهمٍ عميق للماضي، يظل ناقصاً. لذلك فإن ما تقوم به الجائزة من توجيه دفة اهتمام الطلبة نحو السرديات الوطنية، والوثائق، والشخصيات التاريخية، يمثل رافداً أصيلاً من روافد تقوية النسيج المجتمعي، وتعزيز الشعور بالانتماء.
لم يكن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، قائداً فقط، بل كان مؤرخاً في رؤيته، راوياً لقصص الوطن بأفعاله قبل أقواله. وحين يتخذ الطلبة من شخصيته مثالاً في بحوثهم، فهم لا يستعرضون الوقائع فقط، بل يتعلمون من فلسفته في البناء والإنسان والهوية. وهذا في حد ذاته مكسب تعجز عن تحقيقه المناهج الجافة، ويبرع في إنجازه التأمل الحي في التجارب العظيمة.
إن المؤرخين الشباب ليسوا مجرد باحثين صغار، بل هم حَمَلة ذاكرة في طور التكوين، وروّاد مستقبل يبدؤون مسيرتهم بفهم الماضي. ومن حقهم علينا أن نوفر لهم المنصات، ونفتح أمامهم الأبواب، ونمنحهم ثقة تليق بشغفهم. فهم لا يكتبون أوراقاً فقط، بل يرسمون خريطة جديدة لوعي المجتمع، ويُسهمون، بوعيهم المتقد، في بناء الجسور بين الأجيال.
ومن هنا، تبقى «جائزة المؤرخ الشاب» أكثر من مناسبة سنوية. إنها إعلان متجدد بأن وطننا لا ينسى أبناءه، ولا يترك تاريخه طيّ النسيان، بل يقدمه لهم حيّاً، موثقاً، نابضاً بالحكمة والقيم، ليكونوا هم المؤتمنين على ذاكرته، وحُرّاس هويته في عالم يتغير.