الأحد 6 يوليو 2025 / 13:28
كثيراً ما زرتُ الولايات المتحدة في مهمات رسمية أو زيارات خاصة، لكن رحلتي الأخيرة كان لها طابعها الخاص، وتفرُّدها الذي يجعلها مختلفة عن سابقاتها. فقد رافقتُ فيها مجموعة من أبنائنا الطلبة المبتعثين لدراسة علوم المكتبات، وكانت هذه الرفقة كفيلة بأن تحوّل الرحلة إلى تجربة إنسانية وعلمية ثرية، يلتقي فيها الحلم الوطني الكبير بطموح شبابيٍ واعد.
لقد شعرت أنني لا أرافق طلاباً فحسب، بل أرافق بذوراً جديدة لنهضة معرفية نُعدّ لها منذ سنوات، وفقًا لنهج إماراتي راسخ في تمكين الشباب وتأهيلهم لصناعة المستقبل. فهذه الرحلة لم تكن زيارة عابرة لمؤتمر، بل محطة تأسيسية ضمن رؤية وطنية أشمل تُضاف إلى جهود ممنهجة في بناء مجتمع المعرفة، وتستعد لافتتاح المكتبة الوطنية الكبرى، هذا المشروع الثقافي الذي اقترن بالأرشيف الوطني ليكوّنا معاً ذاكرة الدولة، وليؤديا دورًا أساسيًّا في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخها.
وجاءت مشاركتنا في مؤتمر جمعية المكتبات الأمريكية 2025 بمدينة فيلادلفيا، لتمثل فرصة مهمة للتفاعل المثمر والخلاق من خلال منصة ملهمة لتلاقي العقول وتبادل التجارب. فقد جمع المؤتمر أكثر من 25 ألف مختص من مختلف بلدان العالم، عرضوا أحدث الابتكارات في قطاع المكتبات، من تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى نظم الحفظ الرقمي، وأساليب الفهرسة والتصنيف الذكي. وكان أبناؤنا هناك، لا كمراقبين، بل كمشاركين فعليين، يُصغون ويتفاعلون ويسألون ويضيفون، ويؤكدون في كل موقف أن الجيل الإماراتي الجديد مهيأٌ للريادة في كل ميدان.
وكان من بين المحطات المهمة في هذه الرحلة العلمية، زيارة مكتبة جامعة بنسلفانيا، حيث تعرّف الطلبة إلى الكتب النادرة والمقتنيات الخاصة، واطّلعوا على كيفية تقديم الخدمات المكتبية وفق أرقى المعايير. كما استكملوا تجربتهم الميدانية بزيارة مكتبة الكونغرس، إحدى أضخم المكتبات في العالم، حيث وقفوا على مفاهيم التصنيف، وأسس الحفظ، ونماذج الإتاحة الرقمية. ودمجت هذه الزيارات بين التكوين النظري والتجربة العملية، وأسهمت في ترسيخ وعي أعمق بمفاهيم علوم المكتبات الحديثة.
إن ما شهدناه خلال هذه الرحلة يجسّد إحدى أهم القيم التي نحتفي بها في عام المجتمع، وهي التمكين المجتمعي وبناء الإنسان. فكل مبادرة تعليمية وكل فرصة معرفية تُمنح لأبنائنا، تُسهم في تهيئة مجتمع أكثر وعياً، وأكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على التفاعل مع التحولات من حوله. لقد رأيت في عيون الطلبة بريقاً لا يُشبه إلا بريق الحلم الإماراتي حين يُلامس الواقع.
وبدورها، كانت زيارة الإدارة الوطنية للمحفوظات والسجلات الأمريكية (NARA) محطة أخرى مهمة، إذ تمثل الإدارة نظيراً مؤسسياً للأرشيف الوطني في دولة الإمارات. وقد اطّلع الطلبة على آليات حفظ السجلات الفيدرالية، وفهرستها، وإتاحتها، والدور الذي تؤديه التكنولوجيا المتقدمة في أتمتة العمليات الأرشيفية. وكان ذلك درساً تطبيقياً في أهمية الوثيقة كجزء من ذاكرة الأمة، وكيف أن الأرشيف والمكتبة الوطنية يسعيان في دولة الإمارات إلى تطوير نموذج متكامل في هذا المجال.
إن إعداد هذه الكفاءات الإماراتية الشابة لا ينفصل عن مشروع المكتبة الوطنية التي يُنتظر افتتاحها خلال السنوات القادمة، والتي نطمح لأن تكون مرآةً للمعرفة الإماراتية، ومركزاً وطنياً متقدماً يُقدّم نموذجاً جديداً للمكتبة في العصر الرقمي، ويستوعب التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على أنماط التعلم والبحث والخدمة الثقافية.
لقد أعددنا هذه الرحلة بوعي كامل بأن المعرفة لا تُكتسب فقط في القاعات، بل تُبنى بالتجربة والانفتاح والتفاعل الحي مع الميدان. وأنا على يقين أن هذه المجموعة المتميزة من أبنائنا ستكون نواة واعدة لجيلٍ جديد يقود مكتبات الإمارات نحو المستقبل، ويجعل من كل مكتبة حاضنةً للهوية، ورافعةً للتنمية، وجسراً حياً بين الماضي والمستقبل.