الإثنين 14 يوليو 2025 / 10:22
في قلب الخليج العربي، حيث تُبنى الجسور لا الجدران، وتُرسم مسارات الدبلوماسية لا متاريس الحرب، شهدت العاصمة الإماراتية أبوظبي حدثاً سياسياً استثنائياً تمثل في لقاء تاريخي بين قيادتي أرمينيا وأذربيجان، بعد سنوات من النزاع، وسلسلة من الحروب والمواجهات التي أرهقت شعبي البلدين وأثرت على استقرار منطقة جنوب القوقاز بأكملها.
هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل محطة مفصلية في مسار شاق نحو تسوية واحد من أعقد النزاعات في المنطقة. وما كان لهذا اللقاء أن ينجح في التحقق إلا بفضل الدور الريادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي جعل الإمارات وسيطاً دولياً للسلام.
الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي تقطنه أغلبية أرمينية ويقع ضمن أراضي أذربيجان، يعود إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت مطالبات سكان الإقليم بالانفصال والانضمام إلى أرمينيا.
سرعان ما تحولت هذه المطالب إلى صراع مسلح استمر من 1992 حتى 1994، وانتهى بسيطرة القوات الأرمينية على الإقليم ومناطق محيطة به.
لكن الحرب الكبرى وقعت عام 2020، حيث استعادت أذربيجان جزءاً كبيراً من الأراضي بدعم عسكري من تركيا، ثم تبعتها موجة ثالثة من التصعيد في عام 2023، انتهت بسيطرة باكو الكاملة على الإقليم، ما دفع أكثر من 100 ألف أرميني للنزوح خلال أيام معدودة، وسط انتقادات دولية وقلق إنساني كبير.
رغم وقف إطلاق النار، ظل التوتر قائماً، ومحاولات الوساطة الأوروبية والروسية تعثرت، فيما بقيت الثقة مفقودة بين الطرفين.
وفي هذه اللحظة الحرجة، دخلت الإمارات بخطاب جديد: لا وعود جوفاء، لا تدخلات مشروطة، بل وساطة صادقة بعقل عربي عادل.
وقد يتساءل البعض: لماذا أبوظبي؟ ولماذا الآن؟
الجواب يكمن في مكانة الإمارات المتنامية في الشؤون الدولية. فالإمارات لا تنتمي إلى أي محور عسكري في المنطقة، ولا تمتلك مصالح مباشرة في جنوب القوقاز، مما يمنحها صفة "الوسيط النزيه".
كما أن الإمارات تجمعها علاقات ممتازة مع الطرفين:
- أذربيجان ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مع الإمارات، ومنها اتفاقيات تجارة حرة واستثمارات في البنية التحتية والطاقة.
- أرمينيا، من جانبها، تنظر للإمارات كدولة محايدة تدعم مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل، وتحترم التنوع الديني والثقافي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن دولة الإمارات اكتسبت مصداقية كبيرة على الساحة الدولية بعد نجاحها في رعاية المصالحة الخليجية، واتفاقيات إبراهيم، والتوسط في ملفات إنسانية بين روسيا وأوكرانيا. هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي جعلها منصة موثوقة للحوار.
وفي يوم 10 يوليو (تموز) 2025، وتحت رعاية مباشرة من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التقى رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في قصر الشاطئ في أبوظبي، بحضور وفود رسمية رفيعة.
اللقاء الذي وُصف بـ"البنّاء والمثمر" تناول مجموعة من الملفات الحساسة، أبرزها:
- ترسيم الحدود بين البلدين وفق خرائط 1991.
- فتح ممر "زانجيزور" الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان عبر أراضي أرمينيا.
- تبادل الأسرى والمفقودين بعد حروب الأعوام الأخيرة.
- ضمانات دولية لعدم الاعتداء واحترام السيادة.
- العودة التدريجية للتبادل التجاري والثقافي بين الشعبين.
ورغم أن اللقاء لم يسفر عن توقيع اتفاق نهائي، إلا أن الطرفين أعلنا عن تقدم كبير في التفاهمات، واتفقا على مواصلة المحادثات بوساطة إماراتية.
بعيداً عن الصورة البروتوكولية، فإن دولة الإمارات لم تلعب دور "الوسيط الصامت"، بل كانت:
- مُيسّراً للثقة: وفرت بيئة آمنة ومحايدة، وخطاباً يقوم على الاحترام المتبادل.
- داعماً فنياً: قدّمت فرق استشارية قانونية وسياسية للمساعدة في إعداد أجندات التفاوض.
- شريكاً اقتصادياً محتملاً: عرضت المشاركة في مشروعات تنمية مشتركة في حال الوصول إلى اتفاق.
وفي كلمته الترحيبية، أكد الشيخ محمد بن زايد أن "السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل ينبع من احترام الكرامة الوطنية لكل شعب، ومن الإيمان بأن الحوار هو الطريق الوحيد للمستقبل".
لاقى لقاء أبوظبي إشادة دولية واسعة:
- الأمم المتحدة رحبت باللقاء وأثنت على جهود الإمارات في تسهيل الحوار.
- الاتحاد الأوروبي وصف القمة بـ"الخطوة النوعية نحو الاستقرار في القوقاز".
- الولايات المتحدة وروسيا عبّرتا عن دعمهما للمسار التفاوضي بعيداً عن التهديدات العسكرية.
- تركيا، الحليف المقرب لأذربيجان، أبدت انفتاحاً على نتائج اللقاء، ودعت إلى استكمال الحوار.
هذا الترحيب يعكس أن أبوظبي لم تُقصِ أحداً، بل فتحت الباب أمام الجميع، وطرحت "نموذجاً ثالثاً" بعيداً عن الانحيازات التقليدية.
تُعرف السياسة الخارجية الإماراتية بركائز واضحة:
- عدم التدخل في شؤون الدول.
- العمل على تسوية النزاعات بالحوار.
- بناء علاقات متوازنة مع الجميع.
- تقديم مبادرات حقيقية وليس شعارات إعلامية.
ومن خلال هذا اللقاء، برهنت الإمارات على أن هذه المبادئ ليست شعارات، بل أدوات حقيقية لحل الأزمات الدولية.
فالنجاح في تقريب وجهات النظر بين بلدين عاشا في حالة عداء لعقود، دليل على قدرة الإمارات على تحويل الخلافات إلى فرص للتفاهم.
ورغم التحديات الكبيرة، فإن لقاء أبوظبي فتح نافذة حقيقية للسلام. وقد تظهر نتائج ملموسة خلال الأشهر المقبلة إذا:
- استمرت الإمارات في دورها كوسيط حيادي.
- دعمت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي جهود السلام بخطط تنفيذية ومراقبين ميدانيين.
- أطلقت مبادرات اقتصادية مشتركة بين أرمينيا وأذربيجان.
- تم إشراك المجتمع المدني والإعلام في تعزيز ثقافة التعايش.
كما يمكن لدولة الإمارات أن تستضيف مؤتمراً دولياً للسلام في القوقاز، يجمع الأطراف المعنية ويضع إطاراً شاملاً للتهدئة والتعاون.
في وقت يعج فيه العالم بالتصعيدات العسكرية والتدخلات الخارجية، تقف الإمارات نموذجاً لدولة اختارت أن تبني لا أن تهدم، أن تجمع لا أن تفرّق.
لقاء أبوظبي بين أرمينيا وأذربيجان لم يكن مجرد لحظة دبلوماسية عابرة، بل دليل على أن هناك من لا يزال يؤمن بأن السلام ممكن، إذا توفر الصدق، والنوايا الحسنة، والعقلانية السياسية
وقد نجحت الإمارات في أن تثبت للعالم أن الوساطة لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي، بل إلى هدوء استراتيجي وصبر دبلوماسي.
إن ما قدمته الإمارات اليوم في هذا الملف، ليس إلا استمراراً لمسيرتها الممتدة في خدمة السلام العالمي، وترسيخاً لدورها كـ"عاصمة السلام والإنسانية في القرن الحادي والعشرين".