دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة (إكس)
دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة (إكس)
الثلاثاء 15 يوليو 2025 / 10:46

مراكز مؤسسة غزة الإنسانية "مصائد موت" للفلسطينيين

شقّ جهاد طريقه عبر جنوب غزة 5 مرات، متجاوزاً الدبابات الإسرائيلية والجنود وأحياناً الطائرات المسيّرة، للوصول إلى مواقع توزيع المساعدات التي تديرها "مؤسسة غزة الإنسانية".

كما اصطف جهاد 5 مرات في أزقة مسيّجة في الطريق إلى تلك المواقع، مزاحماً آلاف الرجال المتأهبين للاندفاع المحموم لانتزاع ما يمكنهم من الطعام.

خمس مرات، عاد جهاد خالي الوفاض. في إحدى المرات، قال جهاد في حديثه مع صحيفة "فايننشال تايمز"، إن رجلاً كان يسير بجانبه نحو أحد مراكز المؤسسة في خان يونس، أُصيب بطلق ناري: "تناثرت دماؤه وأمعاؤه فوقي".

وفي مرة أخرى، وبعد أن تمكّن أخيراً من الإمساك بصندوق من الإمدادات، تعرّض للسرقة تحت تهديد السلاح على يد فلسطيني آخر.

وقال الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، والذي يعمل فنياً في المجال الطبي، ورفض الكشف عن اسمه الكامل: "توقفت عن الذهاب إلى هناك، لأن ما يحدث يتجاوز كل ما يمكن أن تتخيله".

عمليات توزيع المساعدات والفوضى

ومنذ انطلاق المؤسسة في مايو (أيار) الماضي، دعمتها الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها مبادرة حيوية لغزة وسيلة لتخفيف المجاعة الوشيكة في القطاع المدمر، وتجاوز الأمم المتحدة، ومنع المساعدات من الوصول إلى حركة حماس.

ولكن شهادات السكان، وصور الأقمار الصناعية، ومقاطع الفيديو الموثقة التي جمعتها الصحيفة البريطانية، تظهر كيف أن هذا البرنامج زاد من يأس السكان مثل جهاد، وأجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين الجائعين على خوض رحلة محفوفة بالمخاطر، لا يعود منها الكثيرون.

وقالت السلطات المحلية إن القوات الإسرائيلية هاجمت مراراً فلسطينيين أثناء توجههم إلى مراكز المؤسسة. ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 500 شخص وجُرح الآلاف. والعديد من الضحايا أُصيبوا بطلقات نارية على الطرق المخصصة للوصول إلى مراكز التوزيع، وهي طرق تنشر المؤسسة خرائطها على صفحتها في "فيس بوك".

ولكن سكان غزة، الذين باتوا على حافة المجاعة بعد أشهر من الحصار الإسرائيلي الذي سبق إطلاق المؤسسة، يقولون إن النظام لا يعرّض حياتهم للخطر فحسب، بل يفشل أيضاً في توفير الحد الأدنى من المساعدات، ويضع آلاف الأشخاص في مواجهة مفتوحة للحصول على الطعام.

"مصائد الموت"

وقال حسن عبدالله، حلاق نازح مع أسرته إلى منطقة المواصي الساحلية جنوب القطاع: "مراكز المؤسسة عبارة عن مصائد موت". وأضاف "حتى إن نجوت من رصاص الإسرائيليين وتمكنت من الحصول على طعام، فقد لا تنجو من العصابات التي تنتظرك خارجاً". وأوضح أنه لم يتمكن من جلب مساعدات سوى في مرة واحدة من أصل 7 محاولات.

وتختلف مؤسسة غزة الإنسانية عن نماذج الإغاثة التقليدية. وقد جمعت المؤسسة الشهر الماضي 30 مليون دولار من الولايات المتحدة. وتم تطويرها بمشاركة من مجموعة "بوسطن كونسلتينغ"، رغم أن الشركة قالت إن العمل تم من قبل بعض موظفيها دون موافقة رسمية، وطردت اثنين من الشركاء الذين قادوا المشروع.

وتشغل المؤسسة 4 مراكز توزيع مركزة في جنوب غزة، ويعمل فيها جزئياً متعاقدون أمنيون أمريكيون، تحت إشراف الجيش الإسرائيلي. وغالباً ما يأتي الإيعاز للفلسطينيين بمغادرة خيامهم أو منازلهم المدمّرة، من خلال صفحة المؤسسة على "فيس بوك"، حيث تُعلن مواعيد فتح المراكز.

سكان غزة بين خيارين: الموت جوعاً أو القنص أثناء الحصول على الطعام - موقع 24يواجه سكان قطاع غزة يومياً معضلة قاتلة: المجازفة بحياتهم للوصول إلى أحد مراكز توزيع المساعدات الإنسانية القليلة العاملة في القطاع، أو محاولة البقاء دون طعام ليوم آخر، وربما أكثر.

ووفقاً لتحليل "فاينانشال تايمز"، فإن بعض تلك المنشورات تُنشر في منتصف الليل، وتمنح مهلة تقل عن 30 دقيقة قبل الموعد، بينما يظهر منشور آخر بعد دقائق من وقت الافتتاح المعلن، يُفيد بإغلاق المركز وتوزيع كل المساعدات. وفي بعض الحالات، أُعلن إغلاق المركز قبل الموعد المحدد لافتتاحه.

وتفاقم الانقطاعات المتكررة في الإنترنت داخل غزة، من صعوبة وصول الفلسطينيين إلى تلك المنشورات أصلاً. لكن من يسعون للحصول على المساعدات يُجبرون على السير كيلومترات عبر طرق بالكاد يمكن تمييزها، بعدما سُوّيت المعالم بالأرض بفعل الهجوم الإسرائيلي المستمر منذ 21 شهراً.

وقال جهاد: "لا ترى إلى أين أنت ذاهب في الظلام". وأضاف "الطريق تُعرض على شكل خريطة على شاشة الهاتف، لكن على الأرض الطرق مدمرة تماماً، عليك أن تجازف. إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو تموت".

وعند اقترابهم من مراكز المؤسسة، يتوقع من الناس الانتظار في منطقة محددة إلى أن تفتح المواقع، وغالباً ما تكون في مناطق عسكرية نشطة.

الخطورة الأكبر

وهنا تبدأ الخطورة الأكبر. كثير من الفلسطينيين يقولون إنهم تعرضوا لإطلاق النار من قبل الجنود الإسرائيليين، وسط زحام وارتباك شديد غالباً لا يزال في الظلام، حيث يحاول كل فرد التقدم قدر الإمكان لتعزيز فرصته في الحصول على الطعام.

وقال محمد داوود، الذي كان يعمل منسقاً للزهور قبل الحرب، إنه في كل مرة يذهب فيها إلى أحد مراكز التوزيع، يكون هناك إطلاق نار. وأضاف "ليس مرة أو مرتين. يعطونك ساعة محددة لفتح البوابات، لكن فجأة قد تبدأ دبابة أو طائرة مسيّرة بإطلاق النار".

وقال أيتور زابالغوغازكوا، منسق الطوارئ في غزة بمنظمة "أطباء بلا حدود" التي تُدير مستشفيات ميدانية في القطاع، إنه يرى "جيشاً من الناس" يتجهون إلى مراكز المؤسسة قبل الفجر يومياً، يعقب ذلك أصوات طلقات نارية.

وأوضح "3 طلقات.. ثم صمت، ثم مرة أخرى"، وأضاف أن الجرحى يبدأون بالوصول سيراً على الأقدام، أو يُنقلون على عربات تجرها الحمير.

"مدينة غزة الإنسانية" تشعل الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية - موقع 24تحول مشروع "مدينة غزة الإنسانية" المزعوم، إلى محطة نزاع داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ يؤيديها طرف ويصر عليها وعلى تحويلها إلى حقيقة، في مقابل طرف آخر، يهاجمها ويصفها "بمعسكر اعتقال".

وقال الجراح البريطاني جوهر رحبور، الذي تطوّع في مجمع ناصر الطبي في جنوب غزة خلال يونيو (حزيران) الماضي، إن غرف العمليات الـ6 في المستشفى، غالباً ما تكون ممتلئة بالمصابين العائدين من محاولات الوصول إلى مراكز المساعدات، وهم مصابون بطلقات نارية.

ووصف جويل كارمل من منظمة "كسر الصمت"، التي تضم جنوداً إسرائيليين سابقين وتناهض الاحتلال، قواعد الاشتباك العامة في غزة بالقول: "إذا كان الشخص من عمر القتال.. إذا اقترب أو كان في منطقة غير مسموح له بها، فإن الأوامر تكون إطلاق النار بهدف القتل".

"شريعة الغاب"

وأقرت قوات الدفاع الإسرائيلية بأنها أطلقت النار على حشود من الغزيين اقتربوا منها "بطريقة تُشكل تهديداً"، لكنها أنكرت أن يكون جنودها قد استهدفوا مدنيين عمداً، وقالت إن عدد القتلى أقل بكثير من الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في غزة.

وقال مسؤول عسكري كبير إن الطرق المؤدية إلى مراكز المؤسسة محددة بوضوح عبر لافتات وتلال رملية وأسلاك شائكة. وأضاف "خارج هذه الطرق توجد مناطق قتال.. يمكن للقوات إطلاق النار التحذيري ثم الدفاع عن نفسها. هذا لضمان عدم وجود تهديد لقواتنا".

وأعلنت القوات الإسرائيلية سابقاً أنها ستحقق وتتخذ إجراءات لازمة في حال ثبوت أي مخالفات. ويجد العديد من الفلسطينيين أنفسهم مضطرين للاستمرار في زيارة مراكز المؤسسة، حتى إن عادوا منها خالي الوفاض.

وعارف فرّا، طالب سابق في علوم الحاسوب، يدخل مراكز المؤسسة فقط في "الموجة الثانية" لتقليل احتمالية إصابته برصاص. لكنه غالباً ما يصل متأخراً. وقال إنه يجد صناديق الكرتون مفتوحة، وقد اختفت المواد القيمة مثل الزيت، وتعرض مرتين لمحاولات سرقة الطعام الذي وجده. وعندما عثر مرة على كيس من السكر، سُرق منه أثناء عودته.

واختتم بالقول: "إنها شريعة الغاب"، وتابع "تفكر كيف كنت وكيف أصبحت.. وكأنك حيوان يركض للحصول على الطعام".