الخميس 31 يوليو 2025 / 14:18

"عجائب المُتنبي".. اختراع أم إبداع؟!

لا تُعاني السَّاحات الثقافيَّة العربيَّة من شحّ في النشر، رغم الشكاوى ذات المظلوميَّة من طرف الكُتَّاب، والردود التي تأتي من النَّاشِرين الحاملة لادعاء بالفقر لدرجة تجعل منهم الأولى بالصدقة من غيرهم، ذلك أن آلاف الكتب في مجالات مختلفة، تطبع كل سنة، تفنّد كل الادِّعاءات السَّابقة، مع الاعتراف أن بعضاً منها قد يكون صواباً.

وإذا سلم القارئ معي بأن القول السابق في حاجة إلى أخذه على محمل الجد، فإن السؤال، الذي سيراودنا: ما وقع المنجز المعرفي ـ الكتابي في حياتنا العربية اليوم؟

الظّاهر ـ عبر المتابعة وليس من خلال الإحصاء أو الدراسة العلمية القائمة على البحث وتقصِّي الحقائق ـ أن ذلك المُنْجز بكل أنواعه لم تتم قراءة إلا القليل منه، وهذا الأخير خاضع لأسباب كثيرة، يأخذ تناولها في الإعلام نصيب الأسد، وغياب القراء جعل الكُتَّاب في حلٍّ من أيِّ التزام مجتمعي أو معرفي، وتبعاً لذلك فهم يكتبون لأنفسهم.. إنهم المنتجون والمستهلكون لما يخطُّون ويسْطُرون، بل أن كل واحد منهم غارق في عالمه الخاص لدرجة أنه لا يقرا ما يكتبه غيره من فئته.

ومن نتاج تلك الفئة القليلة الواعية، تظهر لنا كتبٌ بين الحين والآخر تفرض وجودها على القراء بما فيها من متعة، وبما لها من إضافة معرفية، تجديداً واكتشافاً وابتكاراً، وما يصحبها من تعديل وتصحيح، إن على مستوى المصطلحات والمفاهيم، أو ضمن متطلبات التأصيل المعرفي، لغةً وفكراً، وهذا ما نجده في كتاب "عيون العجائب فيما أورده أبو الطيب المتنبِّي من اختراعات وغرائب" للمبدع الناقد الدكتور علي بن تميم، الصادر عن" مركز أبوظبي للغة العربية" في شهر مايو (أيار) الماضي.

لقد تناول بن تميم في كتابه هذا أربعين بيتاً من الشعر، جاءت دالّة وكاشفة عن" الاختراع الشعري" عند المتنبي، بما تطلبه ذلك من جهد بحثي، حقق ـ في نظري ــ أمرين، الأول: التأسيس المرجعي للقضايا الكبرى عند المتنبي، بما فيها الوجودية والقيّمية، والثاني: طرح شعر المتنبي من منظور علاقته بالزمن في حركته وتطوره لجهة تعميره في الراهن والمستقبل دون الخوف من شيخوخة أو نكوص مثلما هو منذ أكثر من ألف عام.

وإذا كانت محاولة الفهم مني ـ ورُبَّما من غيري ـ عند القراءة للاختراعات والغرائب عند المتنبي، كما ذكرها بن تميم، عملاً مطلوباً وضروريَّاً، فإنها ستكون متأثرة بلا ريب بما جاء في مقدمة الكتاب، والتي شكلت 15% من عدد صفحات الكتاب البالغة 300 صفحة، وهي مقدمة لا غنى عنها لأي قارئ متميز أو باحث جاد، ليس فقط لأنها تتعلق بتأصيل المفاهيم وشرحها، وإنما لأنها تُحْضِر التُراثين العربي والإنساني للتمييز بين" الاختراع والإبداع" في زمن تداخلا فيه حيناً، وورثهما أحدهما الآخر حيناً آخر.

لا أدري إن كان علي بن تميم قد عمل بقصدٍ لأجل تعلمينا، خاصة المنشغلين منّا بقضايا الأدب سرده وشعره، لكن ما أقرُّ به هنا، أنه حين قرأت الكتاب، وخاصة مقدمته، انتهيت إلى التمييز بين الاختراع والإبداع في الأدب والتراث والمعرفة بشكل عام.

يذهب بن تميم إلى" أن كلمة اختراع مفردة علمية تراثية، استخدمها علماء الأدب واللغة العرب منذ مئات السنين في وصف حالة (الجهبذة والنبوغ)، وقسّموا النبوغ إلى قسمين: الاختراع والإبداع، مفرِّقين بينهما؛ فالاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والاتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع: إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف الذي لم تجر العادة بمثله".

في سياق هذا التناول، يذهب بنا علي بن تميم إلى التراث الإنساني منذ أيام اليونان والرومان دون أن ينسى أننا أبناء الحاضر وجوديّاً وحضاريّاً وإنسانيّاً، لذلك يتحدث عن موقع الاختراع والإبداع في الثقافة المعاصرة خاصة لدى المدارس والاتجاهات الأدبية والنقدية الغربية لينتهي بنا إلى نوع من المشاركة في تأمل غرائب المتنبي، باعتباره مخترعاً، ومبدعاً أيضاً، مع ترجيح للأولى على حساب الثانية.

الاعتراف بجمع المتنبي بين الاختراع والإبداع، يجعلنا نراه" نابغة" جمع بين الحُسْنيْن ــ وأحسب أن في هذ إجابة عن سؤال عنوان المقال ـ  فبرز ذلك جليَّاً في أبيات شعره الأربعين، والتي أنطقها رسماً الفنان الدكتور" محمود شوبّر"، ومن خلالها بدا المتنبي مؤثراً أيضاً في الإبداع لدى الآخرين، وممتعاً عند قراءة شعره، وصانعاً للذوق الجمالي والفني من خلال الكلمات والرسم، والفضل في ذلك كله يعود لعلي بن تميم، الذي كشف لنا في" عيون العجائب" حضور المتنبي بيننا، فأخرجه بذلك من ضيق القراءة الأحادية إلى سعة الدراسة النقدية على مدى قرون، وقد تواصل طريقها نحو الصمود في رحلة الزمن إلى أن تقوم الساعة، قرُبَتْ أو بعُدت.