الإثنين 4 أغسطس 2025 / 10:04

محمد بن زايد… تواضع الكبار

في زمن تتزاحم فيه الصور، وتتعالى فيه الأصوات، يبقى التواضع فضيلة نادرة لا يلتقطها الضوء بسهولة، لكنها تسكن في القلوب عميقاً، وتُترجم بالأفعال لا بالعبارات. والتواضع حين يسكن الكبار، يصبح أكثر من خُلق شخصي، يصير ميثاقاً أخلاقياً، ومدرسة في القيادة، وبوصلة في التعامل مع الناس، كما هي الحال في شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله.

الذين عرفوا الشيخ محمد عن قرب، أو حتى تابعوه عن بعد، يدركون أن تواضعه ليس مجاملةً ظرفية، ولا تصنُّعاً سياسياً، بل هو جزء من نسيج شخصيته. إنه التواضع الذي لا ينفصل عن الحكمة، ولا يتنازل عن الهيبة، بل يمنحها بُعداً إنسانياً يجعل القائد قريباً من شعبه، حريصاً على آلامهم قبل آمالهم، نازعاً إلى خدمتهم لا إلى التسلط عليهم.

منذ سنوات طويلة، لم يحتج سموه إلى الألقاب كي يُعرّف عن نفسه. وكثيراً ما يحكي في خطاباته الملهمة عن مواقف صادفها، حين يخاطب سيدة من أبناء شعبه بقوله «يا أمي»، بينما تبدأ حديثها إليه ببساطة: «يا محمد»، وتستطرد لتعرب واثقة عن رأي أو تُقدم من خبرات سنيِّها الطويلة نصيحة، يتلقاها القائد مصغياً ومشيداً بما تختزنه من حكمة.

لم نسمعه يتحدث عن ذاته، بقدر ما سمعناه يتحدث عن وطنه، وعن أهله، وعن شباب بلاده. فالقائد المتواضع هو الذي يُلغي المسافات بينه وبين شعبه، فلا يرى فيهم أدوات لتنفيذ الرؤية، بل شركاء في صنعها، ولا يعتلي منصة إلا ليحمل صوت الناس لا ليرتفع فوقهم.

في مواقف لا تُحصى، رأينا هذا التواضع متجسداً بصورة حيّة: في طريقة مصافحته لجندي بسيط، وجلوسه على الأرض في مجلس عزاء، وانحنائه لتقبيل رأس أحد كبار السن، أو احتضانه لأب فقد ابنه في سبيل الوطن. 

لعل أقوى صورة للتواضع أن ترى القائد متخففاً من هالات السلطة، متجرداً من الرسميات، يمشي كما يمشي الناس، ويُصغي كما يُصغون، ويُبادر كما لو كان هو من يحتاج اللقاء لا من يُنتظَر لقاؤه.

وفضيلة التواضع لدى صاحب السمو، فوق كونها منحة ربانية يمنّ بها الخالق على من يصطفيه من عباده، إنما نمت واكتملت في ظل حرص من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على تنميتها في أبنائه، قولاً وفعلاً، وهو ما جسده، طيب الله ثراه، بقوله: «أكبر نصيحة لأبنائي البعد عن التكبر، وإيماني بأن الكبير والعظيم لا يصغره ولا يضعفه أن يتواضع ويحترم الناس أكثر مما يحترمونه».

التواضع علامة ثقة واتساق وإرادة. وهو، كما يعبّر عنه الفلاسفة، ليس إلغاءً للذات، بل وعيٌ ناضج بها، هو إدراك أن القوة لا تعني التعالي، وأن الزعامة لا تكتمل إلا حين تتجرد من الغرور. في ثقافة الشيخ محمد بن زايد، فإن التواضع ليس خفض جناح فحسب، بل هو طريقة في بناء الثقة، ومصدر للإلهام، وجسر بين القيادة والشعب.

ولعل أحد أعظم تجليات تواضع سموه، هي قدرته على الإصغاء. فالإصغاء في نظر الفلاسفة هو أرقى أشكال التواضع، لأنه يتطلب اعترافاً ضمنياً بأن الآخر يحمل معنى أو رأياً يستحق أن يُسمع. ولهذا، لا عجب أن تكون المجالس المفتوحة التي يحرص عليها سموه، منصات حوار حقيقي بين القيادة والمجتمع.

على الصعيد الدولي، ورغم المكانة الرفيعة التي تحتلها دولة الإمارات، لم يتخلّ الشيخ محمد بن زايد عن هذا النهج. بل ظل ممثلاً لدبلوماسية التواضع، التي تعتمد على الاحترام المتبادل، وحسن النية، وعدم التفاخر بالنجاحات، بل جعْلها منطلقاً للتعاون والمشاركة.

إن التواضع، حين يسكن القلوب الكبيرة، لا يُنقص من قدرها، بل يُعليها. وحين يختاره القائد منهجاً، لا يضعف حكمه، بل يقوّيه. والشيخ محمد بن زايد هو نموذج حيّ لهذه الحقيقة: قائدٌ بحجم الوطن، وإنسانٌ بحجم العالم، وتواضعه تاجٌ خفيٌّ على رأسه، لا تراه العيون فحسب، بل تُحسّه الأرواح.

ولعل أعظم ما نختتم به، أن تواضع سموه لم يُكتب في السجلات الرسمية، بل كُتب في قلوب الناس، وفي ذاكرة الوطن، كقيمة تسير جنباً إلى جنب مع القوة، وكمعنى يُلخّص باختصار: القيادة لا تُقاس بحجم المنصب، بل بحجم الإنسان فيه.