الإثنين 4 أغسطس 2025 / 16:14
منذ بدأت الحرب في غزة، ودولة الإمارات تسطر ملحمة إنسانية يلهج بذكرها سكان القطاع الذي أنهكته الحروب المتواصلة. لم تقف الإمارات مكتوفة اليدين، وهي ترى المأساة تتفاقم، لم تنتظر نهاية الحرب وهي تراها تستمر يوماً بعد يوم، بل تقدمت الصفوف، لتساعد في وقف الحرب عبر مساعيها الدبلوماسية من جهة، ومن جهة أخرى تساعد الفلسطينيين عبر مساعدات طبية وإغاثية إلى القطاع عبرت كل السبل المتاحة براً وبحراً وجواً.
أدركت الإمارات منذ اليوم الأول أن غزة ليست بحاجة إلى خُطَب رنّانة، بل إلى ماءٍ صالح للشرب، ودواءٍ لا ينتظرُ الإذن بالدخول، ويدٍ تمسحُ عن جبين الأطفال آثار الفزع، وهذه اليد كانت -وستظلّ- يدَ الإمارات، التي لم تتأخّر يوماً عن أداء دورها الأصيل، فعلاً لا قولاً.
أكثر من مليار ونصف دولار قدّمتها الإمارات لغزّة خلال الشهور الأخيرة، توزعت بين الغذاء والدواء، والمستشفيات الميدانية، والمخابز، ومحطات التحلية، والخيام، والإمدادات اللوجستية، في مشهد يعكس تصميماً راسخاً على أن تظلّ الإمارات صوتاً للعَوْن وسط ضجيج العالم.
لم يكن التضامن مع غزة مجرد تفاعل طارئ، بل رؤيةً متكاملة تنبع من إيمانٍ راسخ بأن الوقوف إلى جانبها واجب إنساني وأخلاقي قبل أن يكون التزاماً سياسيّاً. فبتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله-، تحرّكَت الطائرات، وأنشئت الجسور الجوية، وأُطلِقَت مبادرات كبرى مثل "الفارس الشهم 3" و"طيور الخير"، لتصل المساعدات إلى منازل النازحين، ومستشفيات الإنقاذ، وأماكن اللجوء المؤقت.
فمنذ بدأت عملية "الفارس الشهم 3" في 5 نوفمبر 2023، بتوجيهات رئيس الدولة، لدعم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تصدرت الإمارات المشهد الإنساني العالمي، كونها أكبر الدول المانحة للمساعدات في القطاع في خطوة تجسد النهج الإنساني الراسخ للدولة، وواصلت ـ رغم المعوقات ـ تقديم المساعدات براً وبحراً وجواً، تضمنت إرسال أكثر من 66 ألف طن من المساعدات الإنسانية، وإنشاء مستشفى ميداني داخل قطاع غزة، وآخر عائم في مدينة العريش بسعة 200 سرير، واستقبال 1149 مريضاً للعلاج في مستشفيات الدولة، وإطلاق مبادرة الأطراف الصناعية للمصابين، وإنشاء مخابز آلية، وتشغيل 50 مطبخا ميدانيا لتوفير الوجبات، وتوزيع وجبات الطعام في مراكز الإيواء ومخيمات النازحين، وبناء 6 محطات لتحلية المياه في العريش لإنتاج 2 مليون جالون من المياه يومياً، وإصلاح شبكات المياه المتضررة من مختلف مناطق القطاع، وتنفيذ 58 عملية إسقاط جوي للمساعدات في المناطق المعزولة.
وما بين السماء والأرض، كانت الطائرات الإماراتية تُسقِط الأمل كما تُسقِط المؤن، وتبعث برسائل غير مكتوبة للعالم بأن غزة لا تقف وحدها. مئات الأطنان من المواد الغذائية والطبية تمّ إنزالها جوّاً، وفرق طبية إماراتية توزّعَت في المستشفيات الميدانية داخل القطاع، تُجري العمليات الجراحية، وتستقبل الجرحى، وتؤدي واجبها بحرفية وإخلاص.
على الجانب السياسي والدبلوماسي، لعبت الإمارات دوراً جوهريّاً، حيث حرصت على تحريك المجتمع الدولي تجاه مأساة غزة، ودفعت باتجاه فتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات، واستقبلت على أراضيها مئات الجرحى من المدنيين لعلاجهم في أرقى المستشفيات، في تجسيدٍ حقيقيّ لمعنى الشراكة الإنسانية.
وفي لحظة فارقة، لم تتردّد الإمارات في إعلان تأييدها للمواقف الدولية الداعية للاعتراف بدولة فلسطين، باعتباره حقّاً مشروعاً، وخطوة ضرورية لإحياء الأمل في حلّ الدولتين، وهو الموقف الذي انسجم تماماً مع التزام الإمارات الثابت بدعم الاستقرار في المنطقة، وتكريس مبادئ العدالة والسلام.
لقد أثبتت الإمارات، في هذا السياق، أن المواقف تُقاس بالفعل لا بالشعارات، وأن السيادة الأخلاقية لا تُنال بالكلام بل بالمبادرة. وعلى مدى أشهر، لم تنقطع قوافل الخير عن الوصول إلى غزة، ولم تغلق أبواب الإمارات في وجه الجرحى والمصابين، بل كانت الأرض مفتوحة، والقلوب ممدودة، والسياسات منسجمة مع المبادئ.
لا يمكننا أن نغفل المعاناة العميقة التي يعيشها أهالي غزة. أحياء سُوّيت بالأرض، مستشفيات خرجت من الخدمة، أطفال بلا مأوى، وأمهات يبحثن عن حليب الرضع وسط الرماد. كل ذلك يُضاعف من قيمة الموقف الإماراتي، ويجعل من هذا العطاء طوقَ نجاةٍ حقيقي، يتجاوز حدود المساعدات المادية ليصل إلى جوهر التضامن الإنساني.
إن ما تقوم به الإمارات ليس مجرّد دعمٍ ظرفي، بل هو تجسيد لثقافة راسخة تنظر إلى فلسطين بوصفها لا تُنسى، وشعباً لا يُترك وحيداً، وأرضاً تستحق الحياة. وفي كل مرة تتعثر فيها الطرق، تعيد الإمارات تعبيدها بالإنسانية، وتثبت أن الخير لا يُقاس بالحجم فقط، بل بالثبات عليه، والإصرار على استمراره.
هي الإمارات، بوجهها المضيء، تطفئ حرائق الوجع، وهي بذلك تُؤكّد أن الكلمة الفصل ليست للرصاص، بل للفعل النبيل، وأن اليد الممدودة خيرٌ من لسانٍ مُصطخب، وأن العطاء إذا نبع من الصدق، فإنه يفيض حياة، ويمنح المكلومين فسحةً من الأمل.
إن الدور الإماراتي في غزة لا يستمدّ قيمته من حجم المساعدات فحسب، بل من استمراريته في ظل التحديات وتعقيدات المشهد. إنه التزامٌ لا يُقاس بحدود الطوارئ، بل بنظرة استراتيجية ونهج إنسانيّ تتوارثه القيادة، ويَتجذّر في ضمير المجتمع الإماراتي.