الإثنين 4 أغسطس 2025 / 16:34
تمثِّل المناهج التعليمية القلبَ الحقيقيَّ النابض لكلِّ نظام تربويٍّ، كما أنها تمثِّل مرآة تعكس فلسفة المجتمع وخصوصياته الثقافية، لتلبِّي متطلَّبات قيم المواطنة الصالحة، والتنمية المستدامة ومحاولة اللحاق بقطار المستقبل، وإن المناهج تستند على الفلسفة التربوية التي يرعاها المجتمع والدولة، وهي تتوافق مع ثقافة المجتمع وقيمه، وتقاليده الراسخة، وموروثه التاريخيّ، والحضاري وهب كذلك تمثل العمود الفقري للأنظمة التعليمية.
وإن محاور وثيقة اللغة العربية جاءت لتلبي رؤية الإمارات 2030، إذ إن منهج اللغة العربية يحتل مكانة محورية في المشهد التعليمي بدولة الإمارات العربية المتَّحدة، وذلك بصفتها لغة الهوية الوطنية والثقافة والتراث، ولذا فإن تدريسها الفعال يعدُّ أمرًا بالغ الأهمية، ليس فقط للحفاظ على الاستمرارية الثقافية، ولكن أيضًا لتزويد الطلاب بمهارات التواصل والتفكير الإبداعي والنقدي اللازمة للتعليم العالي، وحسن التعامل مع المسارات المهنية المستقبلية في عالم يزداد عولمة يومًا بعد يوم.
ولتنمية التفكير المنهجي العقلاني الناقد، فيما يخص مناهج اللغة، نحن بحاجة إلى إرادة وإدارة مناهج تعليمية تُمكِّن الطالب من القدرة على العطاء لوطنه (المواطنة الصالحة)، وإعداد المواطن العالمي القادر على التعامل مع تحديات المستقبل، وتهيئة الطلاب لخطواتهم التالية، ولا بدَّ أن يتم ذلك في ضوء نتائج مستقبلية واضحة المعالم
كما أننا بحاجة في مناهج اللغة العربية إلى قياس مدى كفاءة التعليم والتعلُّم، وأهمها التعلُّم العميق، ومهارات التفكير العليا؛ من أجل الوصول إلى صيغ أفضل للمناهج التعليمية، بما يتماشى مع متطلبات مهارات القرن الحادي والعشرين، ويؤكد الرغبة في تكييف طرق التدريس لتلبية احتياجات المتعلمين المتنوعة، طبقًا لمعايير الدمج والشمول والتعليم المتمايز، والتي تستند إلى نظرية الذكاءات المتعددة أو الكفايات في أثناء عملية التدريس؛ بغية ادماج جميع الفئات بطريقة عادلة.
وإن من أهم التحديات في هذا الصدد ما نراه من فجوات بين معايير إعداد المعلِّم ومتطلبات تطور المناهج، وهذا تحدٍّ كبير؛ لأن معلِّم القرن الحادي والعشرين هو الميسر للتعلُّم؛ إذ إنه يعلم الطلاب كيف يفكرون ويبتكرون ويبدعون، وكيف يطرحون الأسئلة، وكيف يستخدمون أساليب التعلُّم، من خلال استخدام التكنلوجيا الداعمة.
ولا بدَّ من إعادة صياغة تصوُّر لدور المعلم، فما يزال معلم اللغة العربية يقوم بأدوار "الملقن" "والمقيم"، وهذا يعيق تفاعل الطلاب، بدلًا من أن يكون المعلم "قائدَ تغييرٍ تربويٍّ" يقوم بتصحيح المعايير الفكرية وضبط المفاهيم الأساسية.
ولا يخفى أن القدرة اللغوية تؤدِّي دورًا مهمًّا في تحصيل الفرد للموادِّ الدراسية الأخرى؛ لأن العلوم الدراسية المختلفة تعتمد على المفردات والتراكيب اللغوية في بنائها، كما يتفاقم هذا التحدي في العصر الرقمي، مما يتطلب من الطلاب تقييم المحتوى العربي عبر الإنترنت بشكل نقدي والتحليل والاستنتاج للظواهر الحياتية، فالمتعلم بحاجة إلى وضع الفرضيات والملاحظة للوصول للحقائق، والانفتاح على الأفكار الجديدة؛ ولهذا يمثل دمج اللغة العربية الفصحى المعاصرة واللغة الوظيفية، إدراكًا للحاجة إلى التطبيق العملي.
وإن طرق التقييم التقليدية للغة العربية تجعل الطالب لا يكترث بالمادة؛ لأنها لا تُثير شوقه ورغبته أو متعته، ولا تحثه على حلِّ المشكلات، ولا تمنحه حقَّ التفكير النقدي، أو تفسير الرمزية المعقَّدة، أو تركيب الحجج من وجهات نظر متعدِّدة لتشكيل استنتاجهم المنطقيِّ الخاصِّ في المقالات التحليلية والإخبارية ، أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي أثناء مهام البحث، مثل المناقشات المنظمة حول القضايا المعاصرة المقدمة في المقالات العربية أو الأحداث الحاصلة، والقدرة على التفريق بين ماهو صائب وماهو غير صائب( المعلومات المضللة) فيما يطرح من أفكار وآراء عبر الأعلام والمواقع التواصل الاجتماعي.
ولهذا فلا بدَّ أن يهدف منهج اللغة العربية إلى تعزيز التحليل النقدي والثقافي والإبداعي، وأن يعمل على رفع مهارات التفكير العليا، والتقصي والبحث، فإن التنفيذ التربوي ومواءمة التقييم أمران حاسمان لحل المعضلات التربوية الحاصلة. يقول مصطفى صادق الرافعي (خصوا لغتكم بشطر من عنايتكم وتربوا لها بتربيتها في مدارسكم ومعاهدكم واصبروا على معاناتها صبر المحب على حبيبته، فإن ضعفتم فصبر البار على من يلزمه حقُّه، فإن ضعفتم عن هذا فصبر المتكلَّف المتجمل على الأقل).