حاملة طائرات أمريكية (أرشيف)
حاملة طائرات أمريكية (أرشيف)
الإثنين 4 أغسطس 2025 / 19:32

ترامب وآسيا: الأمن أم الأرباح؟

في عالم يتسم بتصاعد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، خاصةً بين الولايات المتحدة والصين، يبرز تساؤل جوهري، هل يمكن للولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها الأمني في آسيا دون تقويض ثقة حلفائها؟ وفي هذا الإطار، تناول ديني روي، زميل أول في مركز الشرق والغرب في هونولولو، بموقع "آسيا تايمز"، ملامح سياسة ترامب في آسيا، محذراً من تغليب المصالح الاقتصادية الضيقة على الأمن الجماعي في مواجهة التوسع الصيني.

وأوضح الكاتب أن السياسات الاقتصادية المتشددة التي تنتهجها إدارة ترامب قد تُضعف قدرة واشنطن على مواجهة بكين، وتدفع الحلفاء نحو خيارات بديلة.

الصين والنفوذ الإقليمي

وقال الكاتب إن الصين تسعى إلى ترسيخ نفوذها في آسيا والمحيط الهادئ، عبر فرض مطالبها في المناطق المتنازع عليها، ومنع أي وجود عسكري أجنبي يهدد مصالحها، رغم نفيهاالسعي إلى الهيمنة.  وأوضح الكاتب أن هذه الطموحات تتعارض مباشرة مع النظام الأمني الأمريكي التقليدي، وتعكس رغبة بكين في إعادة تشكيل المعادلة الجيوسياسية الإقليمية لصالحها.

وأضاف الكاتب أن الصين تستفيد من موقعها الجغرافي القريب من بؤر النزاع، إضافة إلى تفوقها الصناعي والتكنولوجي المتسارع، ما يجعلها منافساً خطيراً للولايات المتحدة.

واشنطن تحشد الحلفاء 

وتابع ديني روي أن إدارة ترامب تواصل تأكيد التزامها بقيادة إقليمية للولايات المتحدة، عبر شبكة من الحلفاء لتطويق التوسع الصيني. لكن السياسات الاقتصادية التي تفرضها واشنطن على هؤلاء الحلفاء تتناقض مع هذا المسعى الاستراتيجي. وأوضح الكاتب أن فرض رسوم جمركية على اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وحتى على تايوان الحليف الأكثر أهمية في مواجهة بكين، أثار موجة استياء وشكوك في نوايا واشنطن، ما أضعف وحدة الجبهة المناهضة للصين.

أستراليا وتايوان: ضريبة الولاء

وأشار الكاتب إلى أن أستراليا، رغم شراكتها الوثيقة مع واشنطن، تعرضت لرسوم بـ 10% على منتجاتها، وضرائب أعلى على المعادن والسيارات. وعلّق رئيس وزرائها أن هذه السياسات "غير منطقية" ولا تليق بتعامل الحلفاء.

أما تايوان، التي استثمرت أكثر من 100 مليار دولار في مصانع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، فلم تسلم من العقوبات التجارية.  ولفت الكاتب إلى أن ترامب تحدث عنها بصفتها "مصدر تمويل مقابل الحماية العسكرية"، متجاهلاً أهميتها جبهة استراتيجية ضد التوسع الصيني.

ضعف الأدوات الناعمة

وأضاف ديني روي أن الولايات المتحدة قلّصت تمويل أدواتها غير العسكرية، مثل وزارة الخارجية، ووكالات التنمية والإعلام، ما أضعف تأثيرها في مناطق حساسة، مثل جزر المحيط الهادئ. وبيّن أن الصين تملأ الفراغ بمساعدات مالية بسيطة لكنها مؤثرة، مستغلة هشاشة هذه الدول وقلة عدد سكانها.

وأكد الكاتب أن واشنطن ارتكبت خطأً استراتيجياً حين لم تشجع الحلفاء الأوروبيين على إرسال قوات بحرية إلى المحيط الهادئ، رغم الحاجة إلى تعزيز الردع في مواجهة بحرية صينية تفوق عدداً. وقال إن مشاركة أوروبا كانت ستبعث برسالة حازمة لبكين بأن أي عدوان لن يمر دون رد جماعي.

تناقضات 

انتقد الكاتب ما وصفه بـتناقضات ترامب في ملف التكنولوجيا، مشيراً إلى رفعه العقوبات عن شركة ZTE الصينية، والسماح بعودة الطلاب الصينيين ضمن صفقات تجارية. واعتبر ذلك تبديداً لمكاسب أمنية كان يمكن البناء عليها لاحتواء الصين.

وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة بَنَت تحالفاتها بعد الحرب العالمية الثانية عبر المساعدات والانفتاح التجاري، لا بفرض الرسوم، مضيفاً أن واشنطن في حاجة إلى إحياء هذا النموذج بدل تقزيم الشراكات إلى معادلات تجارية بحتة.

وشدّد ديني روي على ضرورة إعادة التوازن بين الاقتصاد والأمن، وإعادة تفعيل أدوات القوة الناعمة، وتعزيز الحضور الأوروبي في آسيا، مع تبنّي سياسة ذكية لتقليل المخاطر مع الصين، لا الانخراط في مواجهات عبثية. وقال إن هذه الاستراتيجية هي الوحيدة القادرة على ردع بكين وضمان استقرار آسيا على المدى الطويل.

وخلص الكاتب إلى أن نجاح واشنطن في احتواء التوسع الصيني يتطلب فهم أن الأمن لا يُشترى، بل يُبنى، وأن بناء تحالفات صلبة قائمة على الثقة والقيادة الاستراتيجية، هو السبيل الوحيد لاستعادة التوازن في آسيا. أما تغليب المصالح الاقتصادية على المتطلبات الأمنية، فسيؤدي تفكك الجبهة الغربية في وجه بكين، وخسارة الولايات المتحدة لزعامة كانت ذات يوم محل إجماع.