صورة تعبيرية تمزج بين أبرز معالم أبوظبي ونهر النيل (24)
الجمعة 29 أغسطس 2025 / 20:33
لم يكن توديع الجزيرة أمراً هيناً، ولكنه الواقع الذي لا أملك سوي التجاوب معه بطريقة براجماتية - لا تتفق مع سماتي الشخصية - ولكنها تبدو سمة غالبة في عالم ما بعد الجائحة. ونظرية الاحتمالات تفتح المجال أمام السير في رحاب براجماتية الكوكب، أو التموضع مجدداً في خانة التعلق بأشخاص وأشياء وتجارب إنسانية وعدم التأقلم سريعاً مع لحظات الوداع والفراق، ولم تكن الأسابيع الأخيرة قبل السفر رحيمة بمن يفارق صحبته والقلوب الطيبة التي نادراً ما يجود بها الزمن، فالأيام مرت مرور الثواني في حب جزيرة أبوظبي الهادئة والبازغة.
قد تبدو البراجماتية أمراً محورياً في تعاطي الدبلوماسي مع عدة مسائل مهنية وشخصية، وإن كان لا يروق لي الانطباع السائد عند غالبية الناس بأن الدبلوماسية مرادفة للمواقف الرمادية، وعلى الرغم من صلاحية ذلك الوصف لأزمنة سالفة، فالواقع المعاصر يستوجب أن يتبني الدبلوماسي خطاً واضحاً في التعبير عن رأيه في بعض القضايا الطارئة أو الممتدة، العادية أو الكونية، وأن يعبر عنها بصياغات أقل رمادية. وأختلف هنا مع من يرى أن المجاهرة بالانتماء الرياضي لفريق محدد وتشجعيه بشغف قد يؤثر على المكانة الوظيفية للسياسي أو الدبلوماسي وما تفرضه من صور حياد، فالارتباط بجمهور ونادٍ عريق بحجم الأهلي والمقر الرئيسي في منطقة الجزيرة التاريخية ، بالنسبة لي من أصدق وأنبل ما يمكن أن يتصف به الشخص في دوائره المهنية والاجتماعية.
وعلى ما يبدو فإن التنازع بين الطبع والتطبع يدفع بي إلى رحاب الكلمات والعبارات المتوازنة، وللخروج من هذه الحيرة المهنية سوف أطلق العنان لما ينتابني من مشاعر حزينة لمغادرة جزيرة أبوظبي، وإن كنت أشكو لحالي، على فترات متباعدة، ما سبق أن ارتكبته من خطأ استراتيجي وصفته بـ«اللعنة علي الخطط المؤجلة»، فالظروف السياسية التي تعاقبت منذ 2011 مازالت تعاقبني علي التردد وإرجاء خطط زيارة الشام، وإذا بي أجد نفسي فى هذه المرحلة العمرية التي من المفترض أن تنضح فيها الحكمة والرشادة وأن يُراعى السياق الذي تتخذ فيه القرارات والاختيارات الشخصية والمهنية، أُبحر في سراب الاعتبارات والحسابات التي دفعتني لاتخاذ قرار بالعودة الآنية إلى المقر والذي لم يكن منه مفر، وإن كان المزيد من الوقت الطيب في ظل «وَنَس» دوائر اجتماعية راقية وأصيلة - أصحاب الطفولة وزملاء الدراسة فى اقتصاد وعلوم سياسية وأصدقاء جدد ازدهرت الحياة بهم - بمثابة خير مستقر .
وإن لم تفلح مساعي ضبط روتينك اليومي على بوصلة مشابهة لما تعودت عليه فى العطلة الأسبوعية فأوكل أمرك إلى خالقك، وإذا قضيت ليلتك مع دُرر مقولات سيدة الغناء العربي «وغدا ننسى.. وغداً نسهو»، وإذا صحَّاك الشوق من نومك، فلتذهب مع فضل إلى نيل القاهرة تشكو بثك من البعد عن السعديات ، فلعل جريان الماء يكون الدواء لمظاهر النوستالجيا التي بدأت مبكراً بذكريات حلول سبتمبر وانطلاق موسم المنابر الثقافية والمعارض بدءاً من معرض الصقور والحباري وصولاً لمعرض أبوظبي للكتاب، والشخصيات النهارية مثلي تجد في الفطور - توقيته ومكانه- ملاذًا للاطلاع والكتابة وإعادة أهداف ومباريات مارادونا ورونالدينيو وباجيو.
وهنا يكمُن التشابه- وربما التطابق- بين سماء جزيرة أبوظبي وجزيرة الزمالك، فكلتاهما تغمر القلب بالسكينة والصفاء وتشكيلات سحاب تشرح صدر المتأمل والمستمع بالجلسات الخارجية والمسامرة مع عهدي والباز والجويني وآل القاسم ، ولم يكن المستقر في أبوظبي طويل المدة، لكنه ثريُّ بالذكريات البرلنت والخبرات الحياتية والمهنية، وأتاح لي فرصًا متنوعة للتطور واكتساب مهارات إضافية في التواصل الاجتماعي والمهني، ولعل ما أشعر به من امتنان حقيقي هو أن أبوظبي أعادت لي الارتباط بالأدب والقراءة والمعرفة، والفضل يُنسب للعديد من القامات التي أثرت تجربة دبلوماسية متميزة جمعت بين السياسة والثقافة ومعهما الرياضة والمؤتمرات.
وإذ أرسل للأصدقاء في أبوظبي العزيزة عبر نيل القاهرة نماذج افتراضية من وروده المُحملة بالأمل وبالتقدير والمودة الصادقة على حُسن الضيافة والنفوس الطيبة الصبورة، فإن العقل الصعيدي الراجح يُدرك أنه ليس في هذه الحياة أسمى من حب الخير للجميع، فخير الناس أنفعهم للناس وبذور الخير في القاهرة وأبوظبي تكفي وتفيض.