السبت 6 سبتمبر 2025 / 13:51

روح الموصل.. معمارُ الحياةِ وترسيخ التنوع!

إعادة افتتاح الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء، إلى جانب كنيسة الطاهرة وكنيسة الساعة، في مدينة الموصل العراقية، حدثٌ لا يمكن قراءته بوصفه مجرد عملية ترميم آثار تاريخية ودينية دمرها تنظيم "داعش"؛ بل إن ما جرى ممارسة دبلوماسية بامتياز، تطرح نموذجاً عن التعاون العربي مع المؤسسات الأممية، وكيف يمكن أن يدعم ذلك عملية التعافي للمجتمعات والمدن التي عانت من الإرهاب، من خلال جعل الدين والثقافة وما يحملان من قيمٍ، قوةً للتقارب والخير، بدلًا من أن يكونا ذرائع للتنازع والكراهية.

المبادرة التي أطلقتها "اليونسكو" عام 2018 تحت عنوان "إحياء روح الموصل" وبتمويل تجاوز 115 مليون دولار، بينها 50.4 مليوناً من دولة الإمارات، قدمت تجربة جديرة بالتأمل. فهي لم تقتصر على إعادة بناء الجدران، بل ضمت آلاف الشباب العراقيين، في تدريبات على الحرف التقليدية، ووفرت فرص عمل، ما جعل التراث جزء من مشروع تنموي يربط بين الاقتصاد والمجتمع والهوية، وساهم في دعم السكان المحليين.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني شدد على أن إعمار الجامع يمثل "انتصاراً على الإرهاب الأسود". فيما الوزيرة الإماراتية نورة الكعبي وصفت الحدث بأنه "شاهد على قدرة الموصل على تجاوز المحن". من جهتها، اعتبرت وزارة "الخارجية الإماراتية" أن المشروع يعدُ "نموذجاً للتعاون الدولي في صون التراث الإنساني". هذه المواقف تكشف كيف يمكن لـ"الثقافة" أن تكون أداءة من أدوات تحقيق الأمن والاستقرار، لا كعنصر ثانوي أو تجميلي.

إن رمزية ترميم جامع بجوار كنيستين في مدينة عانت من التطرف الديني، تحمل رسالة مباشرة: أن منطقة الشرق الأوسط تستطيع إنتاج نماذج للتعايش، وأن التعددية ليست عائقاً بل عنصر ثراء يجب أن يساهم في إعادة بناء الثقة. ففي عالم يتصاعد فيه العنف الهوياتي، تقدمُ الموصل برهاناً على أن الثقافة العربية بأطيافها المتنوعة قادرة على تجاوز آثار الكراهية والعصبية إذا توفرت الإرادة.

مما سبق، يمكن استخلاص ثلاث رسائل أساسية، أولًا، سيُشكلُ دعم مبادرات مماثلة في مدن "ما بعد النزاع" فرصة لتعزيز الاستقرار والحد من فرص عودة التطرف. ثانياً، إشراك المجتمعات المحلية يضمن استدامة النتائج، ويحول الثقافة إلى مورد اقتصادي. ثالثاً، الشراكات العربية - الدولية في صون التراث يمكن أن تكون منصة جديدة للتقارب بعيداً عن الاصطفافات السياسية التقليدية، خصوصاً في هذا الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تنامياً للعنف وتهجير المدنيين وقتل العديد منهم.

بهذا المعنى، فإن الجامع النوري والمنارة الحدباء وكنيستي الطاهرة والساعة ليسوا مجرد معالم استعادت شكلها، بل شواهد على أن الدبلوماسية في العالم العربي تمتلك القدرة على منح الأمل، وتقديم حلول عملية، وأن الثقافة يمكن أن تكون لغة مشتركة حتى في أصعب الظروف وأكثرها قتامة!