الجمعة 19 سبتمبر 2025 / 14:03

وثيقة التعليم الدامج: ضمان الحق في التعلم بلا استثناء

ليس بالأمر اليسير الحصول على مقعد دراسي للأطفال الذين لديهم احتياجات خاصة، كطيف التوحد أو "فرط الحركة وتشتت الانتباه" أو تأخر النطق، فكثيراً ما تقابل الطلبات المقدمة للمدارس الخاصة بالرفض، والتذرع بعدم وجود مقاعد شاغرة، أو أن قوائم الانتظار طويلة وتمتد لسنوات، وهي ليست حالات فردية، بل باتت تجارب متكررة لشريحة واسعة من العائلات!

هذه المعضلة باتت عامة في مختلف دول الخليج العربي والشرق الأوسط، وحتى أوروبا. فقد تحدثت مع عائلات كثيرة، عانت من هذه العقبة، وأصابتهم بكثير من الإحباط، وجعلتهم يتنقلون من بلد لآخر، بحثاً عن فرصٍ أفضل لأطفالهم، وما يسببه هذا التنقل من أعباء اقتصادية وأسرية وحتى نفسية!

قد يكون أحد الأسباب لهذه المشكلة، محدودية المقاعد المخصصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، أو عدم وجود كادر تعليمي مدرب ومختص في عدد من المدارس يجيد التعامل بمهنية مع هؤلاء الأطفال، وفي أحيان أخرى لا ترغب إدارات بعض المدارس في تحمل مسؤولياتها التعلمية والأخلاقية تجاه أطفال "التوحد" رغبة منها في تخفيف الأعباء المادية والعملانية على كادرها التعليمي، رغم وجود قوانين واضحة من الجهات الرسمية تنص على وجوب توفير بيئات دامجة في كل مدرسة.

وسعياً لحلِ هذه الإشكالية، وتنظيم العملية التعليمية وجعلها أكثر عدالة وشفافية، يمكن الإشارة إلى وثيقة "إطار سياسة التعليم الدامج" التي أصدرتها "هيئة المعرفة والتنمية البشرية" في دبي العام 2017، حيث كانت رسالتها واضحة: التعليم حق لا يُنتزع من أي طفل!

الوثيقة نصت صراحة على "عدم رفض قبول أي طالب في أي منشأة تعليمية بناءً على وجود إعاقة يعاني منها"، لتضع بذلك حداً لأي ممارسات قد تحرم الأطفال ذوي التوحد أو "اضطراب فرط الحركة" أو صعوبات التعلم من حق الدراسة.

"الوثيقة" أيضاً ألزمت المدارس بتطبيق خطة تعليم فردية (IEP) لكل طالب بالتعاون مع الأسرة والمعلمين والأخصائيين، لأن كل طفلٍ لديه احتياجه الخاص النابع من شخصيته أو الصعوبات التي تواجهه أو عناصر القوة التي يمتلكها. هذه الخطة تتيح تعديلات في المناهج وأساليب التقييم، بما يضمن مشاركة الطالب في عملية التعلم، وهو ما أكدت عليه "الوثيقة" صراحة حيث جاء فيها "يحظى جميع الطلبة أصحاب الهمم بالدعم والتسهيلات وعمليات التعديل اللازمة على المنهاج التعليمي، بما يضمن لهم الإنصاف في الحصول على فرص تعليمية ملائمة".

العملية التعليمية لكي تتم على أفضل وجه، تتطلب توفير بيئة مدرسية متقدمة، سواء في المباني أو المرفقات أو المستلزمات، ومن هنا شددت "الوثيقة" على "توفير المصادر التعليمية والخدمات المتخصصة داخل المدرسة، وضمان حصول المعلمين على التدريب والتطوير المهني اللازم"، وذلك كي تكون الفصول والمساحات الداخلية ملائمة، ويصبح المعالج السلوكي والمعلم مؤهلون للتعامل مع الاحتياجات المختلفة لكل طفل.

من أهم عناصر القوة في وثيقة " إطار سياسة التعليم الدامج" أنها نصت على آلية ردع واضحة وصريحة في حال حدوث تمييز ضد الأطفال، حيث أنه "عند الاشتباه بحدوث أي إجراء تمييزي ضد أي طالب من أصحاب الهمم، يتعين المسارعة إلى حل المسألة، واتخاذ إجراءات معالجة لإنهاء التمييز".

هذه القوانين الضابطة للعملية التعليمة من الأهمية بمكان أن تكون العائلات على دراية بها، وأن تعرف حقوق أطفالها، وهذا يدفع المدارس الخاصة نحو مزيد من الالتزام والتقيد بالأنظمة التي وضعتها "هيئة المعرفة والتنمية البشرية"، خصوصاً أن "الهيئة" تقوم بجولات رقابية مستمرة بغية التأكد من مستوى الجودة وتوفر الاشتراطات وسد الفجوة بين ما جاء في "الوثيقة" وما هو على أرض الواقع، لأنه من الطبيعي أن تكون هنالك جوانب قصور لدى المدارس أو محاولات لعدم الالتزام، إنما الأهم أن تُجترحَ معالجات سريعة وعملية، تعزز التكامل والتعاون بين "الهيئة" وأولياء الأمور والمؤسسات التعليمة، فذلك سيحسن من مستوى الأداء ويصبُ في مصلحة الطلاب، ويحفظ لهم حقوقهم الكاملة في التعليم.