الخميس 2 أكتوبر 2025 / 09:38
في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الإثنين الماضي 29 سبتمبر (أيلول)، طرح المقترح الأمريكي لمتضمن 21 نقطة لتوقيف الحرب في غزة بعد سنتين من طوفان الأقصى، تحدث ترامب عن قضية ليست جديدة، ولكنها تثير الانتباه، وربما قد تفتح المجال أمام جدل واسع، خاصة إذا قبلت حماس بالمقترح الأمريكي، رغم الشرط التعجيزي، المتمثل في الرد بالموافقة خلال 72 ساعة.
يتعلق الأمر هنا بمسألة السلام مع العرب والفلسطينيين من وجهة نظر الغرب عموماً، وليس الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فقط، فقد ردد ترامب العبارات نفسها التي سبقت هجمات الغرب على العالم الإسلامي أو جاءت بعدها، منذ قرون، حيث الوعود بسلام يشرف عليه الغرب، تماماً مثلما قاد الحرب والحملات سواء أكانت ذات طابع ديني أو تجاري، وانتهي من خلالها إلى احتلالنا.
على خلفية هذا، يمكن النظر بحذر شديد إلى تصريح ترامب بخصوص مسألة السلام تحديداً، حيث هناك جملة من التساؤلات الجوهرية، التي تتطلب إجابات تكون حاملة لبعد عملي، منها: أين الطرف الفلسطيني عند الحديث عن أرضه وشعبه؟، ولماذا ينوب عنه غيره، حتى لو كان من ذوي القربي؟، ولِمَ يتم التركيز على أمن إسرائيل دون غيرها؟، وكيف للحرب أن تقف دون أن تضع أوزارها بشكل نهائي؟، وإلى متى ستستمر إبادة الشعب الفلسطيني بأساليب شتى منها القتل والتجويع والتهجير؟
ومع ذلك، فإن مقترح ترامب بخصوص السلام يحقق نوعاً من التفاؤل النسبي، وإن كان قد يتحول إلى تشاؤم حين نتذكر، وأنّى لنا الذكرى، وعوداً إقليمية ودولية أممية كثيرة سابقة ـ وأخرى اليوم لاحقة ـ أخلف أصحابها جميعهم، لكن في حال النسيان المقصود للماضي الأليم أولاً، والنظر إلى أمورنا بواقعية ثانياً، والعمل على محاولة الخروج من الظّن إلى اليقين ثانياً، نجد أنفسنا مضطرين إلى مناقشة طرح ترامب، بالرغم من أن هذا الأخير يرفض الحوار، ويضغط من أجل التنفيذ بما تقتضيه مصلحة إسرائيل.
نظرياً، وحتَّى عملياً، يدفعنا ترامب دفعاً إلى ما يسعى إليه ــ رفقة القادة الإسرائيليين ـ وهو السلام بالقوة، وتزيّن له نفسه سوء رؤيته، فينقل السلام من حاجة إسرائيلية وفلسطينية إلى مشروع إقليمي، ويسانده في نظرته تلك قادة وسياسيون ومنظرون في الإعلام والاستراتيجيات ـ بما فيهم عرب ـ كما في تصريحه الأخير حين قال: "نتحدث عن سلام أبدي في الشرق الأوسط بأسره لا مجرد وقف الحرب في غزة.. وأشكر نتانياهو لموافقته على الخطة.. قريبون جداً من حل مشكلة قديمة بالشرق الأوسط وقادة المنطقة منخرطون بشكل كامل في خطة السلام".
قول ترامب هذا، وإن بدا حاملاً للتفاؤل ـ كما قلتُ سابقاً ـ إلا أنه من الصعب تحقيقه لثلاثة أسباب رئيسة، أولها: تعميم السلام على مستوى الخطاب بصيغة وعود واهية لن يحل الصراع على الأرض في فلسطين، وثانيها: شكره لنتانياهو عن موافقته، يعلن أن الخطة الأمريكية إسرائيلية بالأساس، وهذا معروف، وثالثها: استحالة إقامة سلام في الشرق الأوسط على حساب الفلسطينيين، وهم أصحاب الأرض والقضية، ولا أحد غيرهم.
بقي أن الأخطر من هذا كله، هو الإعلان عن إنشاء "مجلس السلام" يترأسه الرئيس ترامب، ويشمل عدداً من الشخصيات الغربية الأخرى، ومنهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وهذا في تكرار لتجربة أمريكية سابقة، حين عينت "بول بريمير" حاكماً للعراق، بعد سقوط الدولة هناك، في إعلان صريح على أن الفلسطينيين لا يستطيعون قيادة أنفسهم حالهم حال العرب، ضمن تجربة الغرب معنا منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.