لقطة من مقطع فيديو نشره "أسطول الصمود العالمي" لجنود البحرية الإسرائيلية وهم يصعدون إلى إحدى سفن الأسطول خلال اقترابه من ساحل غزة
لقطة من مقطع فيديو نشره "أسطول الصمود العالمي" لجنود البحرية الإسرائيلية وهم يصعدون إلى إحدى سفن الأسطول خلال اقترابه من ساحل غزة
الجمعة 10 أكتوبر 2025 / 13:10

دون كيشوت ومغامرة الصمود الفاشلة!

حين أعلنت حماس قبولها ببعض بنود مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن، انقسمت الآراء ما بين من رأى فيها خطوة براغماتية، ومن اعتبرها انحناءة أمام ضغوط لا تُحتمل.

لكن داخل غزة، لم يكن النقاش سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا. الناس هناك لم يفرحوا لأن حماس قبلت بشروط ترامب، بل لأنهم لمحوا في تلك الخطوة نافذة صغيرة نحو الحياة.

فكل أسير قد يعود، وكل معبر قد يُفتح، وكل هدنة – مهما كانت مؤقتة – تُعيد نبضًا غائبًا في مدينة أنهكها القصف والحرمان.

ومع ذلك، فإن هذا القبول لا يخلو من تساؤلات موجعة: هل يعني التخفيف من المعاناة قبولًا بالواقع المفروض؟ وهل يمكن للهدوء المؤقت أن يُترجم إلى تسوية دائمة تحفظ الكرامة والسيادة؟

إنه توازن صعب بين السياسة والبقاء، بين كرامة الموقف وحق الحياة، بين الثبات والمساومة.

وبينما تتخذ حماس خيار الواقعية الصعبة، اختار آخرون طريقًا مختلفًا تمامًا: طريق المغامرة المتهورة ومحاولات لصيد الضوء على حساب آلام أهل غزة؟  حيث شهدنا في الوقت ذاته، محاولات من بعض ممن يسمون أنفسهم (النشطاء) لكسر الحصار عبر البحر بما سُمّي “أسطول الصمود”، انتهت باعتقال أكثر من أربعمئة متضامن من قبل إسرائيل.

مشهدٌ أثار موجة من التعاطف، وموجة أخرى من الغضب لصبيانية التصرف، وفتح الباب لأسئلة مثل: هل كانت هذه المغامرة بطولة حقيقية أم استعراضًا غير محسوب العواقب؟ في الحقيقة دخولهم في مواجهة بحرية مع قوة عسكرية تُحكم سيطرتها على كل شبر من البحر جعل النتيجة متوقعة سلفًا.

وهكذا تحولت الرسالة الإنسانية إلى أزمة دبلوماسية بين الدول، وضاعت الجدوى بين الاعتقالات والبيانات. فالبطولة لا تُقاس بعدد الصور التي تُلتقط على ظهر السفينة، بل بمدى الأثر الفعلي في حياة أهل غزة.

وإذا كان الهدف هو إيصال المساعدات، فهناك طرق أكثر ذكاءً وفاعلية، وهي مستمرة ومتواصلة عبر منافذ وطرق دولية، من خلال حملات منظمة مثل تلك التي تقودها الإمارات بإرسال الشاحنات والإمدادات عبر معبر رفح، أو عبر الطائرات التي تُلقي المساعدات بشكل منسق وآمن. ذلك هو الفعل الذي يُنقذ الأرواح، لا الذي يُضاعف الأزمات.

ما بين الواقعية والمغامرة وفي المشهدين معًا حيث قبول حماس للشروط، ومغامرة الأسطول نرى صورتين متناقضتين لردّ الفعل الفلسطيني أمام الحصار:

الأولى تحاول النجاة عبر التفاوض، والثانية تسعى للتحدي عبر المواجهة الرعناء التي لا تحمل – من وجهة نظري – أي معنى للبطولة.

فما فعلوه هو تضييع وقت بلا نتيجة ملموسة، إذ لم يُحققوا أي تحسن فعلي في حياة الناس الباحثين عن حلول للعيش ولا وقت لديهم للالتفات لمغامرات الرحلة البحرية !

محاولات خلق بطولات مصطنعة وإثارة قلقٍ دولي بين وصولهم واعتقالهم والتدخلات الدولية لإعادتهم، لم تُثمر سوى المزيد من الضجيج.

ستبقى غزة، للأسف، عالقة بين هدنة هشة وحربٍ حقيقية تجري داخلها، بعيدة عن بطولات "دون كيشوت" التي يتزعمها الباحثون عن الشهرة على حساب المحتاجين للمساعدات الحقيقية.

كان الأولى بهؤلاء أن يفكروا في الالتحاق بالمستشفيات الميدانية أو التبرع المادي لتقديم ما يحتاجه أهل غزة، بدل خوض مغامرات تنتهي باعتقالهم وصناعة أزمة لدولهم. فالبطولة اليوم ليست في المغامرة، بل في الاستمرارية والعقلانية، في التنظيم، في بناء التحالفات، في إيصال الغذاء والدواء والكرامة بطرقٍ تفتح الأبواب بدل أن تصطدم بالجدران السياسية.

أما أن يُعرّض البعض دولهم للحرج السياسي ثم يُحتفى بهم كأبطال، فذلك ما يثير السخرية فعلًا. أي بطولة هذه التي أساسها تسليم النفس لإسرائيل؟

أتمنى من الدول التي أتى منها هذا "الأسطول الباحث عن الأضواء" أن تحاسب هؤلاء المتهورين، وتلزمهم بعدم إقحام دولهم في أزمات سياسية جديدة، وتدخلهم في دورات لفهم قوانين وسياسات دولهم، وتعلمهم ما قد تجلبه مثل هذه المغامرات المتهورة، وكذلك جعلهم يكتبون في اعترافات موثقة عن نتيجة مغامراتهم !

وحتى لا تتساءلوا كثيرا عن حصيلة بطولتهم المزعومة؟ فالإجابة: صفر. لا شيء ! مقابل سلسلة من الخسائر الدبلوماسية والسياسية، ولم يقدموا لغزة حتى قشة يتمسكوا بها !