الخميس 30 أكتوبر 2025 / 23:41

زيارة ترامب تعزز الرؤية الاستراتيجية الأمريكية تجاه "آسيان"

أكد الكاتب والدبلوماسي الأمريكي ديفيد ميركل أن زيارة الرئيس دونالد ترامب الأخيرة إلى آسيا، والتي شملت قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في كوالالمبور، لم تكن مجرد حضور رمزي أو بروتوكولي، بل رسالة استراتيجية، مفادها أن جنوب شرق آسيا يحتل موقعاً محورياً في الرؤية الأمريكية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقال ميركيل، وهو زميل متميز زائر في كلية تشارلستون، شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي ومدير في مجلس الأمن القومي، وهو خبير في شؤون السياسة الخارجية الأميركية وأمن آسيا والمحيط الهادئ، في مقاله بموقع "آسيا تايمز" إن جولة ترامب الآسيوية، التي استمرت 6 أيام، مثلت "أطول زيارة خارجية له في ولايته الثانية، وأبرز تجديد لالتزام واشنطن تجاه المنطقة، في ظل التنافس المحموم بين القوى الكبرى".

آسيان بين الحياد والتأثير الصيني المتزايد

وأوضح ميركل أن منطقة الإندو-باسيفيك دخلت مرحلة جديدة من الاضطراب، بفعل تصاعد النفوذ البحري الصيني، وسياسات الإكراه الاقتصادي والتنافس التكنولوجي.
وأضاف أن هذا الواقع "يبرز الدور التاريخي لآسيان، بوصفها مظلة دبلوماسية تمنح دولها الصغيرة قدراً من الاستقلال والمناورة بين واشنطن وبكين".

وتابع أن آسيان "تمارس مركزيتها عبر منتديات تقودها بنفسها، مثل قمة شرق آسيا والمنتدى الإقليمي لآسيان، والتي تجمع الولايات المتحدة والصين واليابان والهند وغيرهم"، لكنه أشار إلى أن نظام التوافق داخل الرابطة يحد من قدرتها على الرد الجماعي تجاه السلوك الصيني العدائي، خصوصاً في قضايا مثل بحر الصين الجنوبي أو حوكمة الفضاء الرقمي.

وقال ميركل إن "الانقسامات الداخلية، التي تغذيها بكين أحياناً، تضعف الموقف الجماعي لآسيان"، موضحاً أن دولاً مثل كمبوديا ولاوس تعتمد اقتصادياً على الصين، بينما فيتنام والفلبين تقتربان أكثر من الولايات المتحدة، وهو ما يجعل "الحياد الذي تباهت به آسيان لعقود عرضة للتآكل".

الدور الأمريكي الحاسم

وأشار إلى أن زيارة ترامب "أعادت التأكيد على أن واشنطن تعتبر آسيان ركناً أساسياً في استراتيجيتها الإندو-باسيفيكية، لكنها في الوقت ذاته تدرك حدود قدرة المنظمة على الردع".

وأضاف أن "آسيان تستطيع أن تقود الحوار وتضع القواعد، لكنها لا تملك القوة العسكرية الكافية لحفظ الاستقرار"، لافتاً النظر إلى أن "هذه المهمة تقع على عاتق شبكة التحالفات الأمريكية في المنطقة".

وأوضح أن التحالفات الجديدة مثل AUKUS (بين أميركا وبريطانيا وأستراليا) والتحالف الرباعي الذي يضم اليابان والهند وأستراليا والولايات المتحدة، "تشكّل منظومة ردع متكاملة تهدف إلى الحفاظ على أمن الملاحة البحرية والتوازن الإقليمي".

ودعا الكاتب إلى تعزيز التعاون بين هذه التحالفات وآسيان في مجالات "الوعي بالمجال البحري، والأمن السيبراني، والتقنيات الناشئة"، بما يعزز القدرات الدفاعية دون الإضرار بسياسة الحياد التي تفضلها دول جنوب شرق آسيا.

تحالف متجدد بين واشنطن وطوكيو

وقال الكاتب إن اللقاء الذي جمع ترامب برئيسة وزراء اليابان الجديدة ساناي تاكايتشي، المعروفة بـ“المرأة الحديدية”، كان مؤشراً على "تحالف أميركي-ياباني متجدد ومتصاعد في مواجهة التحديات الصينية".

وأضاف أن تاكايتشي "تعهدت بزيادة الإنفاق الدفاعي واتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه النشاط العسكري الصيني في بحر الصين الشرقي".

وأشار الكاتب إلى أن اتفاقية التعاون الدفاعي الموسع مع الفلبين التي تمنح القوات الأميركية حق الوصول إلى 9 قواعد عسكرية، بعضها قريب من تايوان وبحر الصين الجنوبي، تمثل "جزءاً من شبكة ردع جديدة تمتد من طوكيو إلى مانيلا، وتهدف إلى حفظ السلام عبر القوة".

القوة الاقتصادية لآسيان

وأوضح الكاتب أن القوة الحقيقية لآسيان ليست عسكرية بل اقتصادية، إذ وصفها الزعيم السنغافوري الراحل لي كوان يو بأنها "المحور الذي يربط آسيا بالاقتصاد العالمي". وأضاف ميركل أن اقتصادات آسيان "تنتج أكثر من 4  تريليونات دولار من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها خامس أكبر تكتل اقتصادي في العالم، ويبلغ عدد سكانها نحو 700 مليون نسمة، غالبيتهم من الشباب".

وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تمتلك مصالح اقتصادية عميقة في المنطقة، إذ بلغت صادراتها من السلع نحو 125 مليار دولار، ومن الخدمات 58  مليار دولار، فيما تجاوزت الاستثمارات الأميركية المباشرة 74  مليار دولار عام 2023، أي ما يعادل ثلث إجمالي الاستثمارات الأجنبية في جنوب شرق آسيا.

بين الدبلوماسية والردع

ورأى الكاتب أن "أعظم نقاط قوة آسيان تكمن في قدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع الانزلاق إلى الصراع، لكنه حذر من أن "الحوار وحده لم يعد كافياً في مواجهة حوادث البحر، والهجمات السيبرانية، وضغوط الإكراه الاقتصادي".

وقال ميركل إن واشنطن "ينبغي أن تواصل دعم الدور الدبلوماسي لآسيان، مع بناء تحالفات مكمّلة قادرة على التحرّك عندما تعجز آسيان عن الفعل". وأضاف أن "التحالفات الدفاعية توفر الردع، بينما توفر آسيان المنصة اللازمة لإدارة الأزمات ومنع التصعيد". 

واختتم مقاله بالقول إن "حضور ترامب في قمتي آسيان وأبيك لم يكن شكلياً، بل إشارة عملية إلى أن جنوب شرق آسيا تبقى في صميم الرؤية الأمريكية للإندو-باسيفيك". وأضاف أن "التحدي الحقيقي أمام واشنطن هو الانتقال من الخطابات والصور إلى الالتزام العملي عبر الاستثمار في التجارة والبنية التحتية والدبلوماسية المستمرة"، مؤكداً أن "الانخراط الأمريكي لن يكون استراتيجياً إلا إذا كان ثابتاً وطويل الأمد".