الجمعة 31 أكتوبر 2025 / 17:16
منذ العام 1991م حين فاز تشارلز بلال ـ باعتباره أول مسلم ــ برئاسة بلدية في الولايات المتحدة الأمريكية، حين انتخب عمدةً لمدينة كونتز بولاية تكساس، وإلى غاية اليوم، حيث يلوح في الأفق فوز المرشح الديمقراطي المسلم زهران ممداني في انتخابات بلدية نيويورك، ترأس عرب ومسلمين عددا من البلديات في مختلف الولايات، لكن لم يعد ذلك بشيء يذكر بالنسبة للمسلمين والعرب هناك، وذلك أمر طبيعي لأن اختيار هذا المرشح أو ذاك من طرف المنتخبين يخضع لبرنامجه، وليس لدينه، وإن كنا لا ننكر أن هذا الأخير له تأثير ولكن في حدود ضيقة جداّ.
إذاً فوز ممداني المتوقع والمنتظر في انتخابات الثلاثاء المقبل (الرابع من نوفمبر 2025م) في حال حصوله، كما تشير إليه استطلاعات الرأي، لا يمكن النظر إليه من ناحية البعد الديني، ليس لأنه لا ينافس أصحاب الديانات الأخرى فحسب، وإنما لأنه يسير على خطى الدولة الأمريكية العميقة، القائمة على اختيارات مؤسساتية، صحيح تتأثر بالانتماء والولاءات، وتوظيف رؤوس الأموال، وتخضع للوبيّات، لكنها تحافظ على الاختيارات الكبرى، حيث التطبيق الواضح للمبادئ الديمقراطية وللاستراتيجيات.
فوز ممداني برئاسة بلدية نيويورك ـ إن تحقق ـ علينا النظر إليه في سياق ثورة الجبهة الداخلية على سياسة الرئيس دونالد ترامب بقيادة الحزب الديمقراطي، لكنه لا يمكن اعتباره عملا حزبيا خالصا، لأنه نتيجة مواقف من السياسة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين، خاصة حرب الإبادة في غزة، والتي وظف ممداني تأثيرها على المجتمع الأمريكي في ظل سياق تأثر الرأي العام العالمي، والدليل هو موقفه من رئيس الوزراء الإسرائيلي في حال زيارته لنيويورك، الأمر الذي أدى بالرئيس ترامب إلى اتخاذ مواقف مسبقة من ممداني، وأخرى ستكون أشد في حال فوزه.
وإذا كان بعض المراقبين قد اعتبر نشاط ممداني خلال الحملة الانتخابية ووصوله إلى تلك المرحلة المتقدمة من السباق على رئاسة بلدية نيويورك مؤشرا قويّا على مدى الانخراط المتزايد للمسلمين في العمل السياسي المحلي والفدرالي، رغم الكثير من العقبات وعلى رأسها العنصرية والتمييز والإسلاموفوبيا، والتي قد تتوج بفوزه ـ كما سبق الذكرـ فإن هذا لا يعد أمرا جديدا لأنه منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود بدا للمسلمين والعرب حضور لافت داخل المجتمع الأمريكي، ما كان لهم أن ينعموا به لو بقوا في بلادهم الأصلية.
ومع ذلك، فهناك مؤشر إيجابي داخل المجتمع الأمريكي قد يعق من صيغة التعايش المتعارف عليها هناك، ويتمثل في تأييد النسبة الكبيرة من اليهود في نيويورك للمرشح ممداني، حتى أن استطلاعات الرأي تقدر نسبتها ما بين 47 و63%، وهذا تطور جديد في العلاقات البينية للجاليات داخل المجتمع الأمريكي، نتيجة ما حدث ولا يزال في غزة، لكن لا يمكن اعتباره تقاربا بين الأديان، ولا حوارا بين أتباعها يؤدي بالضرورة للتسامح، لأن الدافع في كل هذا وعود ممداني في برنامجه بخدمات جمة للمواطنين.
لننتظر ما ستفسر عليه انتخابات الرابع من نوفمبر، فإن فاز زهران ممداني، فذاك يعد نجاحا للديمقراطية الأمريكية، وإن فشل سيكون قد مارس حقه الدستوري، وفي الحالتين، تعمق الولايات المتحدة تقاليدها رغم سياسة ترامب الرافضة لذلك، والتي أظهرها في تصريحاته العدائية لممداني، لكن للشعب الأمريكي رأي آخر.