الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيف)
الأربعاء 5 نوفمبر 2025 / 13:44
يُعدّ الموقع الرسمي للكرملين حول القمة الروسية العربية الأخيرة وثيقة لافتة للنظر، إذ يوفّر روابط لتقارير إخبارية، ومعلومات للتواصل الإعلامي، ويشرح خلفية الحدث الذي أُنشئ الموقع لأجله.. بل إن هناك فقرة صغيرة مخصصة لشعار القمة الذي يستوحي شكل الصقر، بوصفه "رمزاً للقوة والحرية والنُبل، وله دلالة مهمة في التقاليد الثقافية الروسية والعربية على حد سواء".
وبحسب تحليل لمجلة "ناشونال انتريست" ثمة أمر واحد مفقود في كل ذلك ألا وهو "أي مضمون فعلي حول القمة" التي كان من المقرر عقدها في 15 أكتوبر (تشرين الأول) لأنها لم تُعقد من الأساس مطلقاً.
إخفاق مُذلّ
كان يُخطط للقمة لتكون احتفالاً فخماً بصلات روسيا المتعددة في العالم العربي، انتهى به الأمر إلى إخفاق مُذلّ. إذ اضطر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى إلغاء الحدث بعد فترة وجيزة من وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط للاحتفال بخطته لوقف إطلاق النار في غزة.
وجاءت لحظة الإحراج الكبرى عندما اضطر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى الاعتراف أمام الصحافة الدولية بأن بلاده لم تُدعَ. وقال: "ليس الجميع يروق لهم الشراكة بين روسيا والعالم العربي".
ورضي بوتين ببديل متواضع تمثل في الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يبدو أنه سمح لنفسه بالسفر إلى موسكو بعد أن التقى ترامب في الرياض في مايو (أيار) الماضي.
وبحسب "ناشونال انتريست" "توحي هذه الحادثة، أن علاقات روسيا بالشرق الأوسط وصلت إلى أدنى مستوياتها وتسببت الحملة الإسرائيلية للانتقام من أعدائها الإقليميين بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) في أضرار جانبية جسيمة لموسكو.
فكل من حماس وحزب الله كانتا تتمتعان بعلاقات وثيقة مع روسيا، لكنهما تعرضتا الآن لضربات قاسية. أما الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي منحته تدخلات بوتين في الحرب الأهلية السورية عام 2015 فرصة للبقاء، فقد شهد سقوط نظامه البعثي في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي وانتهى به المطاف لاجئاً في موسكو، ما شكل نكسة كبيرة لحضور روسيا ونفوذها في المنطقة.
شكّلت الحرب الخاطفة التي شنتها إسرائيل على إيران في يونيو (حزيران) والتي استمرت 12 يوماً، ذروة اتجاه مقلق تصاعد في المنطقة، لا سيما أن الضربات الإسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية كانت مدمرة بحد ذاتها/ لكن إسرائيل لم تكتفِ بذلك، بل تمكنت أيضاً من تصفية جزء كبير من القيادة العسكرية الإيرانية.
سلسلة من الهزائم
من نواحٍ عديدة، يبدو أنها بدأت بالفعل ومحور "المقاومة" انهار، لكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، رغم أنها لم تعوّض عن غياب القادة العرب الآخرين، حملت رسالة رمزية حول صمود روسيا. الرئيس الشرع، الذي يُرجح أنه عايش القصف الروسي خلال الحرب، أعلن عزمه على "إعادة بناء العلاقات وتعريفها من جديد" مع الروس مع انطلاق مسار إعادة إعمار سوريا الجديدة.
من جانبه استدعى بوتين عقوداً من "العلاقات الخاصة" مع سوريا، في إشارة إلى التاريخ الممتد إلى الحقبة السوفيتية حين كانت دمشق أحد أهم حلفاء موسكو في الشرق الأوسط. والأهم أن الشرع أكد التزامه بالاتفاقات السابقة مع روسيا في إشارة على الأرجح إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، مسقط الرئيس المخلوع رأس الأسد.
وبحسب المجلة، لا يُعد هذا مفاجئاً إذ تحاول سوريا، مثل العديد من دول المنطقة، التأقلم مع مرحلة شديدة التقلب. وبينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تقديم نفسيهما كقوتين مهيمنتين في الشرق الأوسط، فإن نزعة التوسع والمبالغة في القوة كثيراً ما تؤدي إلى عواقب.
والضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قطر في سبتمبر (أيلول) والتي فشلت في قتل قادة حماس المستهدفين، سيكون لها تداعيات أبعد من مجرد فشلها العملياتي؛ إذ أكدت لدول المنطقة أن الحفاظ على علاقات عملية مع إسرائيل لا يضمن الحماية من غضبها وأنه لا يمكن الاعتماد على واشنطن لكبح جماحها.
نمط أمريكي متقلب
ويُضاف إلى ذلك عامل آخر يعزز من فرص موسكو، يتمثل في النمط المتقلب لسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخارجية، ما يفتح الباب لمزيد من الفراغات الجيوسياسية. فلا أحد في المنطقة يعتقد بجدية أن خطته "الشهيرة" للسلام في غزة ستنجح، إذ إنّ النجاح الحقيقي يتطلب رؤية استراتيجية وقدرة على المتابعة الدقيقة وهما أمران يبدو أن الرئيس الأمريكي يستخف بهما.
ويمنح النهج الروسي "شديد البراغماتية"، الساعي إلى إبرام اتفاقات مع جميع الأطراف بغض النظر عن الأيديولوجيا، موسكو فرصاً متزايدة لإعادة ترسيخ نفوذها، سواء بطرق واضحة أو خفية. فقد باتت روسيا تبني علاقات قوية مع الخليج العربي، في تحول غير مسبوق، ما يقوّض صورتها السابقة كفاعل إقليمي يفضّل الشراكة مع أطراف "شاذة" كإيران (وميليشياتها في سوريا ولبنان والعراق).
وختمت المجلة تحليلها، أنه وبالنظر إلى مسار الأحداث، ربما يجد بوتين قريباً الفرصة المناسبة لعقد قمته المؤجلة مع قادة العالم العربي. وفي كل الأحوال، روسيا لا تنوي مغادرة الشرق الأوسط في الوقت القريب.