الجمعة 7 نوفمبر 2025 / 11:52

"أول إصدار" رؤية استشرافية لمستقبل التعبير الإبداعي

لم يكن غريباً يوماً على الإمارات، بجهاتها الحكومية الاتحادية والمحلية وشبه الحكومية، ومؤسساتها الثقافية والمجتمعية، أن تحيط مبدعيها وكتّابها، بدون تمييز بين مواطن ومقيم، بكثير من الرعاية والعناية والاهتمام. يشهد على ذلك الكم الكبير والنوعي من البرامج والمبادرات التي تخص المبدعين، كُتّاباً وأدباء وباحثين وشعراء، بالكثير من الاهتمام، صقلاً لمهاراتهم، واحتفاءً بإبداعاتهم، ونشراً لها في المحافل المحلية والعالمية من معارض الكتب والأيام الثقافية والمهرجانات الدولية.

وإن كان لا بد من الإشارة إلى مشاريع نخبوية رائدة اختصت بدعم وتشجيع ورعاية البدايات الأولى للمبدعين الشباب، خاصة من أصحاب الإصدار الأول، فإن من الأهمية بمكان الإشادة بمشاريع انطلقت مع بداية الألفية في الإمارات، فتواصل بعضها وتوقف أغلبها، مثل "قلم" من هيئة الثقافة والتراث سابقاً، دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي حالياً، ومشروع "إبداعات شابة" من وزارة الثقافة والشباب، ومبادرة "رواق الأدب والكتاب" من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، على سبيل المثال لا الحصر، وغيرها كثير.

واليوم، ومع انطلاق فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والأربعين، يبزغ ضوء مبشّر جديد، إلى جانب المبادرات الراسخة والمؤثرة ذات الإرث والأثر. هذا الضوء يعكس رؤية استشرافية لمستقبل التعبير الإبداعي، من جهة إعلامية بامتياز، رغم حداثة سنّها، إذ تأسست في فبراير (شباط) 2023 بموجب مرسوم بقانون اتحادي أصدره الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. الجهة المختصة بالمحتوى الإعلامي وتنظيم مؤسساته وهيئاته، وتنسيق الجهود الإعلامية على المستويين الاتحادي والمحلي، ومواءمة السياسات الإعلامية بما يضمن إبراز الهوية الوطنية.

أتحدث عن برنامج "أول إصدار" الذي أطلقه مجلس الإمارات للإعلام، لتمكين المبدعين الإماراتيين من نشر إصداراتهم الأولى وتمويلها بالكامل، دعماً لتحويل أفكارهم المتميزة إلى مشاريع إبداعية رائدة، وتعزيز حضور الكاتب الإماراتي في الساحة الإبداعية من خلال زيادة الإنتاج الأدبي وتنوع الإصدارات، إلى جانب إثراء المكتبة الإماراتية بإبداعات جديدة ومتنوعة في مجالات الأدب والفكر.

ولأن البرنامج يستهدف الكتّاب الإماراتيين الذين لم يسبق لهم نشر أي إصدار مطبوع من قبل، تكمن أهميته وجدواه في كونه منصة تجريبية جادة لاكتشاف مواهب كتابية وأدبية، واستشراف مستقبل التعبير الإبداعي، تعبيراً باللغة العربية الأم بشكل أساسي، وإن اشتمل لاحقاً على إصدارات بلغات عالمية أخرى، وتجسيداً للهوية الوطنية والثقافة الإماراتية الخالصة، تفكيراً وتعبيراً ومعايشة حياة.

كما تكمن أهمية البرنامج، ولأول مرة في تاريخ الكتابة الإبداعية في الدولة، بل أستطيع أن أقول في المنطقة العربية والعالم، في كونه يتبع لجهة ذات دراية واختصاص بالمحتوى الإعلامي والسردية الوطنية، وهو ما لم يعرفه من قبل تاريخ التعبير الأدبي والإبداعي، كجهد إداري وتنظيمي مؤسسي حكومي مسؤول. وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على المنجزات العظيمة التي تتحقق كل يوم على هذه الأرض الطيبة المباركة، في ظل رؤية ومتابعة وتوجيهات قيادتها الرشيدة.

فكم كنّا قبلاً مشتتي الجهود بين مبادرات كثيرة لم تعطِ الجانب الإعلامي، برسائله وخططه واستراتيجياته، الدور المحوري المطلوب في زمن تنافس القوى الناعمة على "غسل" بل "أكل" العقول، لا في المدارس والطرقات وأنماط الحياة فحسب، بل في البيوت، وكل غرفة من غرفها، حيث تقتحمنا وسائل التواصل وأدوات التأثير.

مباركة هذه الخطوة، ومبارك كل إصدار أول.