السبت 15 نوفمبر 2025 / 21:07
برنامج التعليم الفردي Individualized Education Program ليست مجرد خطة نظرية توضع استجابة لمتطلبات أكاديمية حديثة، بل هو في جوهره انعكاس لتحولٍ مفاهيمي وفلسفي أوسع، ينظر إلى كل طفل باعتباره مختلفاً عن الآخر، وخصوصاً الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ولذا لم يعد التعليم قائماً على نموذج واحد للجميع، إنما على تصميم مسارات متنوعة ومرنة تتكيف مع القدرات الفردية.
لو أخذنا الولايات المتحدة مثالاً، سنجد أنIEP تُعد حجر الأساس في قانون IDEA الذي يُعتبر أحد الأُطر الأكثر نضجاً عالمياً، وهو قانون فيدرالي يلزم جميع المدارس الحكومية في الولايات المتحدة بتوفير تعليم عام مجاني ومناسب لجميع الأطفال الذين لديهم احتياجات خاصة، في بيئة تعليمية أقرب ما تكون للبيئة الطبيعية مع أقرانهم، كي لا يكون هنالك أي شكلٍ من أشكال التمييز أو عدم المساواة.
التفاصيل التي يهتم بها قانون IDEA لا تكتفي بإقرار حق الطالب في التعليم الملائم، بل يفرض على المدرسة إعداد خطة مفصلة تتضمن: مستوى الأداء الراهن، وأهداف سنوية دقيقة، وخدمات مساندة محددة بالوقت، وإستراتيجيات تدريس متطورة، وطرق متابعة دورية دقيقة، وتعديلات بيئية. وتمتلك الأسرة حقاً قانونياً واضحاً في الاعتراض على ما تراه غير مناسب لطفلها أو لا يحقق الأهداف المرجوة في التطور التعليمي والسلوكي، ما يجعل IEP وثيقة ملزمة وليست مجرد توصية.
دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن خلال متابعتي اللصيقة عبر تجربة شخصية لنحو 4 أعوام، وجدتُ أن هنالك نموذجاً مؤسسياً عملت عليه "هيئة المعرفة والتنمية البشرية" KHDA في إمارة دبي، وذلك ضمن إطار "سياسة التعليم الشامل" التي أطلقت العام 2017 وتنص على أن "جميع الطلاب بما فيهم ذوو الاحتياجات التعليمية الخاصة أو الإعاقات، يجب أن يتعلموا في بيئة تعليمية مشتركة آمنة، داعمة، ومحفزة، وملائمة لتحدياتهم، كل يوم وفي كل صف". وفي توجيهاتٍ صدرت العام 2020 أكدت "الهيئة" أن "تطوير وتنفيذ ومراجعة خطط التعليم الفردية يُعد جزء أساسياً من الخدمة المدرسية المقدمة للطلاب من أصحاب الهمم"، ما يعني أن المدارس بات لزاماً عليها وضع خطة تعليم فردي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير الإمكانات والبيئة الضرورية لنجاح هذه الخطط، وليس مجرد كتابتها نظرياً ضمن الوثائق التعليمية!
تطبيق "الخطة" يقوم على منهجية دقيقة، تتمثل في التشخيص متعدد التخصصات، وصياغة أهداف قابلة للقياس، وبناء تدخلات واضحة تشمل الاستراتيجيات الصفية والخدمات العلاجية، ومتابعة تقدم مبنية على بيانات تدون باستمرار.
هذه المهمة بقدر ما على المدارس والمراكز التعليمية المتخصصة القيام بها، إلا أن الأسرة أيضاً تلعب دوراً رئيسياً في تحقيق النجاح؛ فكما تؤكد "هيئة المعرفة" يجب "إشراك أولياء الأمور في كل مرحلة من مراحل الخطة، من وضع الأهداف إلى مراجعة التقدم" وهذا التكامل بين العائلة والجهات التعليمية يؤدي إلى وجود برامج يستفيد منها الأطفال بشكل مباشر.
تتجاوز أهمية "برنامج التعليم الفردي" تحسين التحصيل المدرسي لطالب بعينه وتطوير مهاراته السلوكية والحسية والتواصلية وحسب؛ فهي تعمل كأداة لقياس عدالة النظام التعليمي وقدرته على تحويل الفروق الفردية إلى فرص للتعلم والتميز، لأن هذه التباينات يجب النظر لها كعناصر قوة وتنوع، وإذا تم فهمها بشكل علمي، ستقود إلى تكوين شخصية كل فرد بطريقة تجعلها أكثر استقلالية وقدرة على التعامل مع المحيط والانخراط فيه بشكل فعال.