نازحون سودانيون من مناطق النزاع (أ ف ب)
نازحون سودانيون من مناطق النزاع (أ ف ب)
الخميس 20 نوفمبر 2025 / 13:40

السودان: مماطلة الجيش تُعرقل جهود وقف الحرب 

في الوقت الذي أبدت فيه قوات الدعم السريع استعدادها لقبول هدنة إنسانية، يواصل الجيش السوداني ممارسة مماطلته التقليدية، ما يعرقل كل جهود وقف القتال ويجعل أي اتفاق سلام هشاً قبل أن يبدأ.

ومنذ استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، برزت الفجوة الواضحة بين الطرفين: طرف يتقدم سياسياً وميدانياً، وآخر يماطل ويضع شروطاً لا يمكن الوفاء بها بسهولة.

بعد طلب ولي العهد السعودي..ترامب: سأعمل على إنهاء الحرب في السودان - موقع 24أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه سيعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد أن طلب منه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، التدخل لحل الصراع.

نصر عسكري 

وأصبحت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، محوراً للصراع ليس فقط لأهميتها الاستراتيجية، بل أيضاً لموقعها الرمزي والسياسي.

ولم تكن سيطرة قوات الدعم السريع مجرد مكسب ميداني، بل فتح الباب أمامها للضغط على الجيش السوداني في المفاوضات، وتحويل القوة العسكرية إلى قوة سياسية يمكن أن تؤثر في المشهد الوطني، خصوصاً في النقاشات حول مستقبل الحكم المدني والدمج العسكري.

وكانت قوات الدعم السريع، رغم أنها استغلت النصر العسكري لتعزيز موقفها، سريعة في الرد على دعوات وقف إطلاق النار، وأعلنت قبولها لمبادرة الرباعية الدولية بقيادة الولايات المتحدة.

وجاء هذا القرار بدافع الحاجة الإنسانية، ومن أجل السماح بوصول المساعدات العاجلة، وكذلك لإتاحة فرصة التباحث في مسألة السلام الشامل والدائم.

السودان.. من ساحات القتال إلى أروقة المحاكم الدولية - موقع 24انتقل الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى ساحات المحاكم الدولية، حيث لم يعد منحصراً في ميادين القتال ولا في شوارع المدن التي أنهكتها الحرب.

نفوذ سياسي 

ويعكس هذا الموقف رؤية واضحة لقوات الدعم السريع: استخدام المكاسب الميدانية لتحويلها إلى مكاسب سياسية وشرعية، مع الحفاظ على قدر من الضغط على الجيش السوداني.

وجاء قبول الهدنة أيضاً كخطوة استراتيجية لتعزيز صورة قوات الدعم السريع، باعتبارها طرفاً مسؤولاً قادراً على العمل ضمن أطر قانونية وسياسية، وهو ما يميزها عن الجيش السوداني الذي يواصل سياسة المماطلة.

ولم تمنع الهدنة الإنسانية قوات الدعم السريع من الاستفادة من موقعها التفاوضي، إذ عزز قبولها للهدنة نفوذها السياسي، وفتح المجال أمامها للمشاركة في مفاوضات أوسع بشأن مستقبل السودان، بما في ذلك التباحث في مسألة الحكومة المدنية القادمة وحقوق الأقليات العرقية والسياسية.

الجيش السوداني يوصد الباب أمام المساعدات وسط انتشار المجاعة - موقع 24تكدست المساعدات في تشاد، في الوقت الذي يوصد الجيش السوداني الأبواب أمامها ويقصف قوافل الإغاثة، ليعمّق بذلك أسوأ أزمة إنسانية تشهدها البلاد، بحسب تقييمات الأمم المتحدة.

تعنت الجيش 

في المقابل، تواصل القوات المسلحة السودانية فرض الشروط المسبقة، والتي يمكن اعتبارها بمثابة رفض ضمني للهدنة.

ووصف وزير الدفاع السوداني، حسن كبرون، التحضيرات للحرب ضد قوات الدعم السريع بأنها "حق وطني مشروع"، في حين أكد قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، على ضرورة "هزيمة العدو" والانتقام لمن تعرضوا للقمع في المناطق التي سيطر عليها المتمردون.

وحتى تصريحات البعثة الدبلوماسية السودانية في نيروبي، أكدت أن أي اتفاق مؤقت لن يكون ممكناً إلا بتفكيك قوات الدعم السريع وتسليم أسلحتها ومحاسبة قيادتها، وهو شرط يصعب تحقيقه في الوقت الحالي.

ويعكس هذا التمسك بالقوة والهيمنة استراتيجيات الجيش التقليدية، التي تهدف إلى الحفاظ على السيطرة على مؤسسات الدولة وعلى طول مجرى النيل، مستهدفاً الأقليات العرقية والإثنية في السودان.

تضليل سياسي 

وإحدى القضايا الأكثر إثارة للجدل، هو استغلال الجيش السوداني للصور والفيديوهات المفبركة عبر الذكاء الاصطناعي لتصوير الفظائع في الفاشر، وهو ما كشفت عنه تقارير "بي بي سي" و"فرانس برس".

وتهدف هذه الممارسة بوضوح إلى استخدام الإعلام كسلاح ضغط سياسي، لكنها تعكس أيضاً عمق الأزمة في مصداقية المعلومات خلال النزاع، وتبرز التحديات التي تواجه الوسطاء الدوليين في تقييم حجم الانتهاكات الحقيقية.

ولا يمكن تجاهل الأبعاد الإنسانية للنزاع أيضاً، فالمدنيون في دارفور والمناطق المحيطة بالفاشر يعانون من آثار النزاع المستمر، بما في ذلك النزوح الواسع ونقص الغذاء والمياه وانهيار الخدمات الأساسية.

ويزيد استمرار الجمود بين الجيش وقوات الدعم السريع من تفاقم هذه الأزمة، ويجعل أي هدنة هشة معرضة للفشل، إذا لم تُتبع بإجراءات تنفيذية حقيقية وفعالة.

هيمنة تقليدية 

وبينما تظهر قوات الدعم السريع موقفاً مرناً واستعداداً للحوار والمساهمة في الحل السياسي، يصر الجيش على التمسك بالهيمنة التقليدية، ما يجعل أي اتفاق مؤقت هشاً ويهدد باستمرار الانقسام والمعاناة.

ويضيف الدور الإقليمي والدولي بعداً آخر للصراع، فمبادرة الرباعية الدولية تهدف إلى تهدئة الأوضاع ووقف إطلاق النار، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب تمسك الجيش بشروطه السابقة.

وليست المفاوضات الدولية مجرد حوار رمزي، بل تسعى إلى إيجاد حلول سياسية شاملة تراعي الحقوق الدستورية للأقليات العرقية والمناطق المهمشة، لكن دون تجاوب الجيش، فإن أي هدنة تبقى معرضة للانهيار.

ويعكس هذا التباين في المواقف صراعاً أعمق على السلطة والشرعية في السودان، ويجعل أي جهود دولية للسلام صعبة التنفيذ، ويؤكد أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على مستوى إرادة الجيش في التخلي عن الهيمنة التي اعتاد فرضها بالقوة على مدار العقود الماضية.

لكن النتيجة العملية لهذه الخلفيات التاريخية والسياسية والعسكرية هي استمرار الجمود، مع تأكيد أهمية دور المجتمع الدولي في الضغط على الجيش لضمان التزامه بالهدنة وتنفيذها بشكل فعلي.