الأحد 23 نوفمبر 2025 / 12:30
كنت أقرأ مؤخراً في كتاب "طريق الحياة" لتولستوي، واستوقفتني طريقته في سبر أغوار "الكِبْر"، كيف يتحوّل من شعور خفيف بالاعتداد بالنفس إلى عبء يُثقل الروح ويشوّه نظرة الإنسان إلى نفسه. كان تولستوي يرى أن المتكبّر ينشغل بصورة لا يستطيع العيش خارجها، وأن الإنسان كلما ابتعد عن بساطته ازداد احتياجه للتمثيل. هذه الفكرة، على بساطتها، فتحت باباً قديماً في ذاكرتي، باباً لم أفكر فيه منذ سنوات.
تذكّرت الموقف الذي حدث في أحد مطارات الدولة. كنت أقف أمام سير الحقائب، أنتظر مثل الجميع، حين اقترب مني رجل وألقى التحية بلطف واضح. رددت التحية، وما إن دقّقت النظر حتى عرفته باسمه والمنصب الرفيع والمهمّ الذي يشغله، فبادلته الترحيب ذاته. تبادلنا حديثاً خفيفاً عن تأخر الشنط، وكان حضوره بسيطاً وواثقاً في وقت واحد، لا يحاول إثبات شيء، ولا يضيف إلى نفسه ما ليس فيها. بدا وكأنه يعيش اتّساقه الداخلي بلا جهد، وكأن المنصب الذي يشغله مجرد تفصيل صغير في حياة أوسع من أن تختصرها الوظائف.
بعد سنوات، وبعد أن تقاعد ذلك المسؤول الأول، التقيت في بلد آخر بالشخص الذي تولّى المنصب ذاته من بعده في ردهة أحد الفنادق. اقتربت منه بتحية هادئة، وقدّمت نفسي كما يفعل الإنسان حين يقابل شخصاً يفترض أنه يمثل موقعاً عاماً، لكن الرد كان مقتضباً وخالياً من أي لمسة إنسانية يمكن أن تجعل اللحظة أخف. كانت ملامحه متحفظة، وحضوره مشدوداً، كأن كل كلمة يجب أن تمر عبر بوابة من الحذر. لم يكن بيننا خلاف ولا معرفة سابقة، ومع ذلك بدا كأنه حريص على إنهاء اللقاء قبل أن يبدأ. لم يكن الأمر مزعجاً بحد ذاته، لكنه ترك في داخلي مقارنة لا يمكن تجاهلها.
ومع الوقت أدركت أن الفارق لا يعود لاختلاف الطباع، بل إلى الطريقة التي يرى بها كل إنسان نفسه من الداخل. هناك من يفهم جوهره الحقيقي ويعيش في انسجام معه، فيصبح التعامل مع الآخرين امتداداً لهذا الاتساق، بلا تكلف ولا خوف من أن يراه أحد على طبيعته. وهناك من يتردد في الاقتراب لأنه لا يعرف ما الذي قد يظهر إذا انكشف جزء من داخله، فيختار الصمت والتباعد كوسيلة لحماية صورة هشّة أراد لها أن تكون حصناً.
الكِبر ليس رفعة، بل قيد يربط صاحبه بمظهر أكثر مما يربطه بجوهر. الإنسان حين يبني مكانته على ما يبدو لا على ما يكون، يعيش قلقاً دائماً، في "كبرياء مزيفة"، يحرس شكله ولا يجد وقتاً لمراجعة ذاته. وكلما ازداد خوفه من الانكشاف، شدّ على نفسه حتى يفقد تلقائيته وليونة طبعه. أما الثقة الحقيقية فلا تحتاج إلى مظاهر، لأنها تأتي من الداخل، من معرفة الإنسان بحدوده وقيمته في آن واحد.
وبينما البعض يوسّع حضوره بابتسامة وصدق حقيقي، هناك آخرون يضيّقون المساحة على أنفسهم وعلى من حولهم، لأنهم يظنون أن العلو لا يتحقق إلا من خلال المسافة. لكن الحقيقة أن المسافة لا تمنح أحداً رفعة، بل تفضح هشاشته. التواضع لا يُضعف صاحبه، بل يحرّره من الحاجة إلى الحذر المستمر، ومن القلق الذي يفرضه الدور، ومن ذلك الشعور القديم بأن قيمة الإنسان لا تثبت إلا إذا ابتعد عن الآخرين.
وحين أقارن اليوم بين الرجلين اللذين التقيتهما، أرى الفرق بين من يسير نحوك مطمئناً، ومن يقف أمامك متوجساً. الأول لا يشعر أنه مطالب بحماية صورته، والثاني يظن أن صورته هي كل ما يملك. الأول يحمل منصبه بخفة، والثاني يحمله بثقل. الأول اقترب فزاد احترامه، والثاني ابتعد فانكمش مهما كان منصبه كبيراً.
وفي النهاية لا يرتفع الإنسان إلا حين يعرف احترامه لذاته الحقيقية غير المزيفة، ذلك الاحترام الذي ينعكس تلقائياً على نظرة الناس إليه.