تلميذة باكية "أرشيفية"
تلميذة باكية "أرشيفية"
الجمعة 5 ديسمبر 2025 / 17:09

"مصائد بشرية" تجتاح المدارس.. خبراء يكشفون "كلمة السر" لحماية الأطفال من المتحرش المقنّع

تصاعدت حالات التحرش بالأطفال مؤخراً داخل المدارس بشكل مثير للقلق، في ظاهرة لم تعد محلية بل باتت أزمة عالمية تهدد سلامة الطفولة وتستدعي تدخلاً عاجلاً على كافة المستويات.

وتؤكد دراسات وتقارير عالمية أن مشكلة التحرش بالأطفال داخل المدارس ليست محصورة بدولة أو منطقة بل تشكل أزمة عالمية، تتنوع فيها أشكال الاعتداء وتتعدد آليات المواجهة.

فضائح مدرسية تهز الرأي العام

شهدت مصر مؤخراً سلسلة من الحوادث الصادمة داخل مؤسسات تعليمية، أبرزها واقعة مدرسة "سيدز" الدولية بمنطقة السلام، حيث تعرض 5 أطفال في مرحلة رياض الأطفال للاعتداء الجنسي على يد 4 من العاملين بالمدرسة، بينهم فرد أمن و3 موظفين، قاموا بخطف الأطفال وهتك عرضهم داخل غرف صغيرة وأماكن تحت الأرض، تحت تهديد السكاكين والقتل لإسكات الضحايا الصغار.

وفي واقعة مماثلة، أعلنت إدارة مدرسة الإسكندرية الدولية للغات إيقاف عامل متهم بالتحرش بـ4 أطفال، في حادثة أخرى كشفت هشاشة منظومة الحماية داخل المؤسسات التعليمية حتى الأكثر تكلفة منها.

وفي أكتوبر (تشرين) من العام الماضي، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مدرس تحرش بمجموعة من التلميذات في المرحلة الابتدائية بمدرسة أحمد زويل بمحافظة الجيزة، ما أثار صدمة وغضباً واسعاً لدى أولياء الأمور.

أزمة عالمية لا تعرف حدود

تؤكد المنظمات الدولية أن التحرش بالأطفال في المدارس ليس ظاهرة محلية، بل أزمة عالمية متفاقمة، فوفقاً لـ"اليونيسف"، تعرضت نحو 650 مليون فتاة وامرأة حول العالم للعنف الجنسي خلال طفولتهن، من بينهن أكثر من 370 مليون تعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي.

وفي هولندا، أظهرت الدراسات أن 27% من الطلاب تعرضوا للتحرش الجنسي من قبل موظفي المدارس. 

أما في الولايات المتحدة، فقد أفادت بيانات مراكز السيطرة على الأمراض أن أكثر من 11% من فتيات المدارس الثانوية تعرضن للاغتصاب عام 2017.

وفي دراسة شملت 10 دول أفريقية، أفاد 19.6% من الفتيات و21.1% من الذكور في الفئة العمرية 11-16 عاماً بتعرضهم لممارسات جنسية قسرية داخل المدارس.

وتشير التقديرات إلى أن واحدة من كل خمس نساء وواحداً من كل سبعة رجال على مستوى العالم تعرضوا للاعتداء الجنسي في طفولتهم، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

مؤسسات ربحية تفتقر للبعد التربوي

وفي شهادة من داخل إحدى المدارس الدولية، كشفت مسؤولة إدارية رفضت الإفصاح عن هويتها، أن السبب الرئيسي وراء انتشار هذه الظاهرة يكمن في تحول المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات ربحية بحتة، تفتقد للبعد التربوي والأخلاقي في إدارتها.

وأوضحت المسؤولة لـ24 أن معظم المدارس الخاصة باتت تضع الربح المادي فوق كل اعتبار، متجاهلة سلامة الأطفال وحمايتهم، مستثنية بعض المدارس القليلة التي تطبق بروتوكولات صارمة لحماية التلاميذ، من بينها منع تواجد العمال في الأماكن التي يتواجد فيها الطلاب، وتشديد الرقابة على جميع المرافق.

رؤية نفسية: التحرش السلبي والإيجابي

في تصريحات خاصة لـ24، قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن حالات التحرش بالأطفال تختلف باختلاف نوعية التعدي وسن الطفل، وكذلك تختلف طريقة التعامل معها، موضحاً أن هناك حالة اطلع عليها قبل فترة قصيرة بشكل شخصي، لطفل لم يتجاوز عمره الأربع سنوات، تعرض لتحرش من زميل له في نفس العمر.

وأضاف أن التحرش في هذه الحالة يسمى تحرشاً سلبياً يجب التوقف عن الحديث حوله أو تنبيه الطفل لا شعورياً للتجربة، موضحاً أن زيادة التنبيه والحديث في هذه الحالة يضر الطفل ويجعله أكثر تأثراً بالفكرة، لذا يجب تجاهلها تماماً.

وحول التحرش الإيجابي الذي يتعرض له أطفال بطريقة وحشية على يد بالغين، أقر فرويز أن هؤلاء يعانون من مأساة حقيقية حتى لو في سن صغيرة، لأنهم يتذكرون كل شيء عن الحادث بحسب ما تعرضوا له من اعتداء قد يسفر عن إصابات، لافتاً إلى أن تكرار تعرض الطفل للتحرش يصيبه باضطرابات نفسية بالغة منها اهتزاز الثقة أو الشعور بالدونية، فضلاً عن اختلال معايير الفطرة لديه، مع زيادة إمكانية إدمانه للقصة وشعوره بالعزلة، مشدداً على أن كل هذه الاضطرابات تعتمد على سن الطفل ودرجة التحرش.

طريق التعافي يبدأ من المنزل

وأكد فرويز أن الطفل الذي يتعرض لتجربة قاسية من هذا النوع، يجب العمل على إعادة الثقة لديه مع إمكانية الاستعانة بأشخاص من نفس عمر المتحرش ليقدموا له هدايا ويلعبون معه بلطف، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعيد لديه الشعور بالأمان.

وأشار إلى أن حماية الطفل تبدأ من غرس القيم والمفاهيم بداخله، وتوعيته بحدوده الجسدية ومنع تبادل القبلات والأحضان مع الغرباء، وعدم الذهاب بعيداً عن الأنظار والاختفاء في أماكن غامضة خاصة في المدرسة، والتشديد على عدم الذهاب لدورات المياه مع أي شخص.

المتحرش جبان يخشى الفضيحة

وأضاف جمال فرويز أن المتحرش شخص جبان، يخشى الفضيحة لذا يلجأ للتهديد، ولهذا السبب تحديداً يجب زرع الثقة في الطفل ليفهم ألا يخشى من أي شخص يهدده، مع التشديد على أهمية بناء جسر ثقة عميق بين الطفل وأهله، لتشجيعه على الحديث وسرد تفاصيل يومه، والابتعاد عن نقده والتقليل منه.

علامات تحذيرية

وكشف الطبيب النفسي علامات تدل على تعرض الطفل لحادث تحرش، قائلاً إن هناك شقين، الأول بدني من خلال فحص الطفل جيداً فإذا ظهرت علامات التهاب أو نزيف أو جروح يجب الانتباه فوراً، أما الجانب الثاني فهو جانب نفسي يظهر من خلال اصفرار وشحوب الوجه أو الرفض التام للذهاب لأماكن معينة مع التعلل بأسباب قد تكون مرضية في ظاهرها مثل الصداع أو ألم الأسنان والبطن.

وشدد فرويز على ضرورة الاستماع لشكوى الطفل ورفضه الذهاب للمكان الذي يرفضه، ومحاولة طمأنته ليحكي، وتصديقه حتى لو كان المكان هو المدرسة أو حتى منزل قريب من العائلة، لافتاً إلى أن بعض الأطفال يتعرضون للتحرش على يد أقرب الناس إليهم.

الجذور الاجتماعية للظاهرة

من جانبها، أوضحت الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بالمعهد العالي للغات بجامعة المنصورة، في تصريحات خاصة لـ24، أن العوامل الاجتماعية والثقافية التي تساهم في وقوع حوادث التحرش متعددة ومعقدة.

وأشارت إلى أن ضعف التنشئة الاجتماعية والثقافة الجنسية يلعب دوراً محورياً، حيث يؤدي غياب التوعية السليمة والتكتم والخوف من الوصمة الاجتماعية والفضيحة إلى تشجيع المتحرش على الاستمرار في أفعاله دون عقاب.

وأضافت أن المعايير الاجتماعية المنحازة تفاقم المشكلة، حيث قد تدعم أحياناً ما يُعرف بـ"الاستحقاق الجنسي" للذكور، أو تلقي اللوم على الضحية بدلاً من الجاني، مشيرة إلى عدم إدراك مقدمي الرعاية من أهل ومدرسين لخطورة بعض المواقف أو علامات الخطر والسلوكيات غير المناسبة.

كما لفتت إلى دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية، حيث يمكن للفقر وسوء الحالة الاقتصادية وزيادة الكثافة السكانية أن تزيد من فرص التعرض للاعتداء والاستغلال الجنسي، وفي المقابل قد يكون الغنى أيضاً دافعاً لارتكاب مثل هذه الجريمة، خاصة إذا علم الجاني أنه لن يخضع للحساب مستخدما نفوذه وأمواله.

وحذرت من انتشار المواد الإباحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، واعتبرتها أحد العوامل المغذية لهذه الظاهرة.

ضعف الرقابة المدرسية

وأكدت حماد أن ضعف وغياب الرقابة المدرسية يساعد بشكل مباشر على زيادة انتشار حوادث التحرش وتفاقم آثارها، وذلك بتحويل البيئة المدرسية من مكان آمن للتعليم إلى بيئة محفوفة ومحاطة بالمخاطر تشجع على السلوكيات المسيئة.

وقالت إن غياب الإشراف الكافي من أخطر العوامل التي تزيد من فرص التحرش، حيث يؤدي توفير مناطق معزولة غير خاضعة للمراقبة المباشرة مثل دورات المياه وغرف التخزين إلى إتاحة فرص سانحة للمتحرشين، كما أن فترات الانتظار الطويلة دون إشراف تمثل خطورة إضافية.

وأضافت أن غياب نظام الرقابة الداخلي الصارم يؤدي إلى صعوبة تحديد الجاني أو المسؤول عن الأفعال، مما يقلل من احتمالية المساءلة أو العقاب، فضلاً عن عدم وجود إجراءات لحماية الطفل المُبلِّغ من الاتصال المباشر أو التهديد من قبل المعتدي أو زملائه بعد الإبلاغ.

وأشارت إلى أنه في بيئة تفتقر لسياسات الحماية، غالباً ما تصبح حماية سمعة المؤسسة أهم من حماية سلامة الطفل وتوفير الدعم النفسي والقانوني له.

كما حذرت من ضعف التعامل مع الشكاوى، حيث تُهمل أو لا تُأخذ على محمل الجد، مما يرسل رسالة للضحايا بأن صوتهم لا قيمة له وأن النظام لن يحميهم.

الحلول المقترحة

وأكدت حماد أن الحل يبدأ من التوعية وبناء القدرات، من خلال توفير برامج تثقيفية للأهل والمربين حول النمو الجنسي للأطفال والمراهقين، وكيفية التواصل معهم حول هذا الموضوع بأسلوب مناسب للمرحلة العمرية والتعليمية، وكيفية ملاحظة التغيرات السلوكية.

ودعت إلى تحصين الطفل وتدريبه على الحدود الشخصية ورفض اللمس غير المرغوب فيه ومعرفة كيفية طلب المساعدة، مع كسر حاجز الصمت وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي وتجنب لوم الضحية أو التقليل من شأن الحادثة.

وشددت على ضرورة تفعيل القوانين وتطبيق إطار قانوني قوي يُجرِّم التحرش الجنسي بالأطفال ويحمي الضحايا ويُسرع إجراءات التحقيق والمحاكمة التأديبية في المؤسسات، مطالبة بتعديل بعض القوانين المتعلقة بالتحرش الجنسي بالأطفال وتغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام في الحالات الشديدة.

كما طالبت بتوفير خطوط ساخنة ومراكز متخصصة للدعم والعلاج النفسي للأطفال الناجين وعائلاتهم.