الثلاثاء 9 ديسمبر 2025 / 09:05

«جماعة الإخوان».. رمز الكذب والخداع والخيانة

د. خالد راشد الزيودي - الخليج الإماراتية

لم تعد جماعة «الإخوان المسلمين» اليوم سوى تنظيم إرهابي متآكل، يعيش أسوأ مراحله منذ تأسيسه قبل نحو مئة عام. فقد كشفت التجارب العربية والدولية خطورتها العميقة، ليس بوصفها حركة سياسية فاشلة فحسب، بل باعتبارها منظمة إرهابية شكّلت الحاضنة الأولى لأخطر التنظيمات التي عرفها العصر الحديث. ولذلك توسعت حملات الحظر والملاحقة في مختلف دول العالم، بعدما أدركت الحكومات حجم التهديد الأمني والفكري الذي تمثله هذه الجماعة على استقرار المجتمعات والدول.

منذ نشأتها، حاولت الجماعة تسويق نفسها كحركة إصلاحية، لكنها سرعان ما كشفت حقيقتها كمنصة لتفريخ الإرهاب، ومنبع للفكر المتطرف الذي خرجت من رحمه «القاعدة» و«داعش» و«الشباب» و«نصرة الإسلام والمسلمين» وغيرها من التنظيمات التي حملت مشروع الهدم والتكفير. لقد بنت الجماعة عقيدتها على تقويض الدولة الوطنية، وإشاعة الفوضى، وإلغاء التعددية، واحتكار الحديث باسم الدين، وهو ما أثبت أن خطرها يتجاوز حدود العمل السياسي إلى تهديد مباشر للأمن القومي العربي.
ولعلّ الشهادات التي خرجت من داخل التنظيم نفسه كانت أبلغ دليل على طبيعته الإرهابية. فالمنشقون الذين عاشوا عقوداً في «مغارة الإخوان» كشفوا للمرة الأولى أن التنظيم لا يؤمن إلا بالعنف وسيلة للوصول إلى السلطة، وأنه يستخدم الدين كغطاء لخدمة مشروع سياسي مغلق، لا علاقة له بقيم الإسلام السمحة. هذه المراجعات أوضحت بجلاء أن الجماعة تتبنى خطاباً تكفيرياً يقوم على تقسيم المجتمعات، وتبرير الاغتيال، وإلغاء الآخر، وهي السمات ذاتها التي تميز التنظيمات الإرهابية عبر التاريخ.
وتشير شهادات المنشقين إلى أن الجماعة مارست كل أشكال الخداع والتزييف: تجنيد على أساس الولاء الأعمى، غسيل أدمغة داخلية، تبرير العنف باعتباره «جهاداً»، وتوظيف النصوص الدينية لخدمة مصالح التنظيم وقياداته. وقد اتضح أن ما كان يُقدَّم للناس على أنه عمل دعوي أو خيري، لم يكن سوى واجهة تخفي مشروعاً سرياً يخطط لاختطاف الدولة وابتلاع مؤسساتها. لذلك فإن وصف الجماعة بأنها تنظيم إرهابي ليس موقفاً سياسياً، بل حقيقة أكدتها التجارب، وأثبتها الواقع، ورسختها اعترافات من عرفوا الجماعة من الداخل.
ومع سقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، انكشفت الشبكات الدولية التي كان التنظيم يعتمد عليها لتمويل أنشطته، واتضح حجم الاختراق الذي مارسه داخل مجتمعات الجاليات الإسلامية في أوروبا، من خلال جمعيات ومراكز ومساجد وشركات تجارية كانت تعمل كستار لعمليات التنظيم. وقد أدى انهيار النظام إلى تفكك التنظيم الدولي، وانقسامه إلى جبهات متصارعة في إسطنبول ولندن والمكتب العام، وهو ما كشف هشاشة البنية الداخلية، وصراعاً محموماً على الأموال والمناصب، بعد أن سقط «القناع» الذي خدع به التنظيم أتباعه لسنوات.

إن خطورة جماعة «الإخوان» اليوم لا تكمن فقط في تاريخها الإجرامي، بل في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها كلما وجدت بيئة رخوة أو دولة يعيش مجتمعها تحت ضغط اقتصادي أو سياسي. فهي ليست مجرد تيار سياسي، بل تنظيم إرهابي عابر للحدود، يتحرك بسرية، ويعتمد على شبكات دولية لتمويل العنف، ويستغل الدين لتبرير سعيه إلى السلطة. ولهذا فإن تصنيفها جماعة إرهابية أصبح ضرورة أمنية لحماية الشباب من الوقوع في فخ خطابها المضلل، وحماية المجتمعات من محاولاتها المستمرة لاختراق المؤسسات وتوظيف الأزمات لنشر الفوضى.

إن مواجهة الجماعة اليوم ليست خياراً سياسياً، بل واجب وطني وأمني وأخلاقي. فالجماعة تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، وتعتبر العنف وسيلة مشروعة، وتضع مصالح التنظيم فوق مصالح الأوطان. ولذلك تحتاج الدول العربية إلى استمرار كشف خياناتها، وتعرية أكاذيبها، وملاحقة مصادر تمويلها، وتجريم أنشطتها في الداخل والخارج، تجنباً لإعادة إنتاج مشاهد الانهيار التي تسببت بها في دول عربية عدة.

إن استمرار فضح هذه الجماعة أمام الشعوب، وتجريم خطابها، وحرمانها من أي شرعية سياسية أو دينية، هو الضمانة الوحيدة لمنع عودتها بوجه جديد أو بشعارات مختلفة. فالإخوان لم يكونوا يوماً مشروعاً وطنياً، بل مشروع إرهابي منظم يهدد الدولة والمجتمع والدين معاً، ويستغل أي فرصة للعودة والانقضاض على مؤسسات الدولة. ولذلك فإن التعامل معها يجب أن يبقى ضمن إطار المواجهة الشاملة: مواجهة أمنية، ومواجهة فكرية، ومواجهة إعلامية، ومواجهة قانونية، حتى لا يعود هذا التنظيم إلى بثّ السموم التي دمّرت دولاً وأرهقت شعوباً وهددت استقرار المنطقة لسنوات طويلة.

لقد انتهى زمن الأقنعة، وبات واضحاً أن «الإخوان» ليست جماعة دعوية ولا إصلاحية، بل تنظيم إرهابي يشكل خطراً وجودياً على الأمن القومي العربي، وعلى الدين الإسلامي الذي تحاول اختطافه وتشويه صورته. ومهما حاولت الجماعة إخفاء حقيقتها، ستظل وقائع التاريخ، وشهادات أبنائها الهاربين من جحيمها، وسلوكها العنيف في الدول التي حكمتها، شاهدة على أنها رمز الكذب والخداع والخيانة، وأن واجب المرحلة هو فضحها بكل الوسائل حتى لا تتكرر المأساة.