الأربعاء 10 ديسمبر 2025 / 12:11
للروح قيمة عالية في حياة الإنسان، وفي تشكيل مفاهيمه عن الحياة، وتعتبر القيم الروحيّة عاملاً أصيلاً في تكوين التديُّن الصحيح، ففي علم أهل الذوق والإشارة أن أهل الإشراقات والعرفان أو ما يسمَّون أهل الحقيقة والكشف، هم أولئك السالكون طريق الله، والذين يحيون مع الله في كل تجلياته، فإن للإيمان ومقتضياته من الأعمال والأوصاف جمالاً لا يحسّ به إلا ذوو الأذواق السليمة، وأرباب الفطرة الربانيَّة.
فالقلب المظلم لا تشرق فيه الأنوار للترقي، لأنه نور يقذفه الحق لخواص عبادِه، ما يفرقون به بين الحقّ والباطل، كما لا يتحقّق إلا بالمجاهدة والتصفية وتزكية النفس، حتى تصل النفس إلى مرتبة الاطمئنان، وحسن الظن بالله، وسكون القلْب وزوال خوفه واضطرابه، فهو مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، حيث يرى الله أقرب إليه من نفسه، وهذا ما يسمَّى بالسير نحو السلوك الأخلاقي، والوصول إلى الكمال الإنساني المنشود، والذوق ببصائر القلوب.
ونظراً للمنزلة الدينيّة للقِيَم الروحية في تراثنا الإسلامي، فإنه لا يمكن طمس التراث أو إلغاؤه، فهو جانب آخر للفهم الإنساني لمعنى آخر للتدين الروحي، هناك تراث معرفي ثري بقضايا تزكية النفس، ومحاولة الكشف عن علل النفس وترقيتها الإنسانية. كما أن هناك أعلاماً من أهل العقيدة والفقه، كان لهم تأثير كبير في التنمية الإنسانية، والتربية من مصدرها الأصلي، من رحيق الكتاب والسنة.
الحضارة الغربية الحديثة سلكت ثقافة التنمية البشرية، والتطوير الذاتي، وصناعة النجاح والشهرة والثراء المادي، وانصرفوا عن تربية النفس وتزكيتها، وترقية الروح بالقيم الروحية التي فيها غذاؤها واستقرارها، خلافاً لأحد أخطر مخرجات كتب التنمية البشرية في نظري، وهو أنها للأسف الشديد تصنع أحلاماً مشوَّشة، وآمالاً سطحية، وطموحات جوفاء، تتعاطى مع فكرة "تطوير الذات" كغاية في ذاتها.. لا عامل للإنجاز المشرّف أو رسالة نبيلة يؤجر صاحبها ويثاب أو موهبة أصيلة ينتفع منها الآخرون وجديرة بالتقدير!
ولهذا هناك علاقة بين التنمية البشرية والإخوان والسلفية المتشددة، وهي علاقة توظيف في الأصل، لاسيما عندما حاولوا استخدام لغة وأساليب وسائل التنمية البشرية للتحفيز، والقيادة والخطابة وتقوية التنظيم، فقد استثمروا هذا العلم كوسيلة بناء (العضو المؤدلج).
إن هؤلاء المتاجرون بما يسمَّى علم التنمية البشرية وتطوير الذات يمثلون ثقافة متنطعة لم تنصف أهل العرفان وجهابذة التدين الروحاني، حيث تهتم بالأداء والسلوك، غايتها النجاح والتفوق والتحسين الشخصي، منهجها العلمي تربويّ مهاريّ، ولكن ليس لها علاقة بالقلب والنية، وتزكية النفوس غايتها رضا الله وصلاح النفوس، منهجها إيماني روحي أخلاقي، بل إنهم صرفوا الناس عن التربية والتزكية التي ينادي بها التصوّف الديني، ولقد ظهرت فرق في العصر الحديث ممولة من دول بعينها للطعن في كلّ ما يتصل بالتصوف السني القائم على الكتاب والسنة، ذلك المذهب الذي يشكّل حقائق وأحوالاً معروفة، للوصول في نهاية الطريق إلى صفاء النفس من أجل الوصول لمرتبة الصديقيَّة أو الصدق مع الله.
وتستدعي الحالة المثالية للتدين من خلال رؤية أحادية ضيقة، وقد تمَّ إذابة الفوارق بين الصوفية ككل، وبين أهل السنة والجماعة، من خلال علمائها الأجلاء، كما أن شيوخهم كابن تيمية وابن القيم لهم أقوال عادلة في أئمة التدين الروحي قبل التصوف، ومن عاصروهم مثل الجنيد وعبدالقادر الجيلاني، وإبراهيم بن الأدهم، والفضيل بن عياض، وغيرهم، ووصفهم إياهم بأنهم أئمة الصوفية، وأئمة الهدى، أو صوفية أهل السنة والحديث، المستقيمون السالكون كجمهور مشايخ السلف، وأنهم شيوخ التصوف الصحيح، ومن خالفهم فهو ضالّ، ومن سلك مسلكهم اهتدى ونجا وسعد، كما جعل الله لهم لسان صدق في الأمة.