الخميس 11 ديسمبر 2025 / 08:51
في ظل انشغال الشوارع العربية هذه الأيام بأستوديوهات التحليل الرياضي بمناسبة منافسات "كأس العرب" في قطر، يسترعي الانتباه، حضور خطاب" الدولة الوطنية"، في ظل تراجع دول عربية كثيرة، وتعرض أخرى لأزمات كبرى، بسببها مسَّت شعوبها البأساء والضّراء وزلزلت زلزالاً شديداً، وثالثة لا تزال بمنأى عن التوترات والصراعات والحروب، بل إنها تعدّ واحات للأمان، وإليها تشدّ الرحال.
ومع الاختلاف البيّن بين أوضاع الدول المشاركة في البطولة إلا أن من حضروا منها على مستوى المشاركة في أستوديوهات التحليل الرياضي أخذتهم العزة في الدفاع عن دولهم، انطلاقاً من مواقف تتعلق بلغتها، بحيث تركت اللغة العربية الفصحى المجال للهجات العامية ولغيرها من لغات أعجمية أثناء الحوارات والتعليقات، وبدَا واضحاً فيها دخول مفردات وألفاظ وعبارات الخطاب السياسي في حال من التعبير عن الاختلاف والتميز، وأحسب أن معظم الشعوب العربية قد سعدت بذلك، وقد جاء التعبير عن ذلك صراحة في عدة مداخلات من محللين مختلفين، كثير منهم لا صلة لهم بالإعلام الرياضي.
في أستوديوهات التحليل جاء التعبير عن الحق في الحديث باللهجات العامية في أحيان كثيرة بصيغة التلميح، لكن حين كان الغضب يبلغ مداه من موقف ما، أو حول فريق من هذا المعلق أو ذاك، يتحول التعليق إلى نوع من المجاهرة بالسلبيات فتتكفل اللهجات العامية بالتبليغ عبر تراكم تجاه لهجة ـ أو لهجات ـ العربي الآخر، عندها لا يترك الانتقاد للنقد مكاناً في الأحاديث الدائرة في جلسات النقاش.
الوصف السابق، هو نتاج ملاحظات متواصلة لأحاديث ونقاشات الأيام الماضية، إذ بمتابعة مداخلات المعلقين والمحللين الرياضيين بدا لي أن كل واحد منهم يحمّل نفسه مسؤولية تجميل دولته، وهذا حقّ مشروع، حتى لو حمل بعض المبالغات أحياناً، وربما يعود ذلك إلى وطنية حقيقة أو مزيفة تصل عند الخلاف إلى درجة "الشوفينية" (الوطنية المفرطة، الغيورة والعدائية).
قد تشي المبالغة في الوطنية إلى حضور سلطة هذه الدولة العربية أو تلك لدى المحللين، طوعاً أو كرهاً، لأن الحديث عن الرياضة ليس بمعزل عن السياسة، لكن في حقيقة الأمر قد يكون مجرد حديث يفترى من المحلل، أو صدقاً في الموقف الذي يقترب من اليقين، وفي الحالتين، فإن المَعْنيِ بالخطاب هو الجمهور الرياضي أو الشعب بشكل عام، لكونه يسكن في تفكير المحللين، ويحرك عواطفهم، زيادة عن النظر إلى موقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها اليوم منصات مؤثرة، ناهيك عن الخوف الدائم من ردود الأفعال عن تحليلاته أو تصريحاته.
من الناحية العملية لا ينتظر الجمهور الرياضي العربي ـ وهو هذه الأيام يشمل معظم الشعوب العربية، التي تشارك منتخباتها في بطولة كأس العرب ــ آراء المحللين والمراقبين حول المقابلات لكي يحلل ما يجري وما يرى، لعدة أسباب، نذكر منها هنا ثلاثة:
أولها: أن كل فرد عربي له رأيه الخاص في المقابلات سواء التي تخصُّ بلاده أو تلك التي تهتم بغيرها، بل إنه يعدّ نفسه أهم من أي محلل رياضي، خاصة إذا انتهى هذا الأخير إلى تحليل لا يتفق مع ما يتمنّاه.
ثانيها: أن معظم التوقعات من المحللين أثبتت عدم صدقيتها وفشل أصحابها ـ إلا فيما ندر ـ الأمر الذي جعلها لا تمثل أولوية، ولا يُركن إليها، ودفعت الجماهير إلى التعويل عن مواقفها من الفرق والمقابلات.
ثالثها: لأن الآراء المتداولة بين النقاد الرياضيين في مجالس التحليل هي تابعة لرأي الجمهور، وهي جزء من ظاهرة عامة تبدو أكثر وضوحاً أثناء الحملات الانتخابية، ما يعني أنها ليست وليدة قناعة، وإنما هي بنت منطق الحسابات في التعاطي مع الجماهير.