إحياء لذكرى ضحايا هجوم سيدني (رويترز)
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025 / 17:19
هناك عوامل انحرفت بالتفكير الإسلامي لدى بعض الجماعات إلى الفكر المتطرّف، ما أفرز العديد من مظاهر العنف الدالة على أن ثمة تضليلاً للعقول والمفاهيم بهدف خلق انحراف فكري، الذي يشمل الأفكار التكفيرية، وتحريف المفاهيم الدينية. عدا ذلك، الجهل وضعف المناعة الفكرية، من خلال انتشار الأمية الفكرية، وضعف التفكير النقدي. ما حدث في هجمات شاطئ سيدني التي شنتها ذيول داعش الإرهابية، ما يجعلنا نشعر بالقلق إزاء عودة داعش، والسؤال هل الحروب ضد الإرهاب أضحت معامل لتفريخ الإرهابين أم ثقافة التطرف مازالت لها أرضية فكرية راسخة ومقبولة؟.
لكن هذا لا يمنع من مواجهة حقيقتين، أولاهما أن أفكار التطرف كيف ظهرت أعراضها المرضية لأفراد عاشوا حياة متحضرة وتتقبل التعايش والقبول بالآخر، وثانيتهما لماذا تأثير التزمت الديني مازال يلقى صدى في الأقليات المتماشية مع التعايش والحياة المدنية؟
الأمر الذي يستدعى حتماً رداً حاسماً صريحاً على ما تفعله تلك الفئة الضالة تنظيم داعش من خلال العلماء بالحجّة الداحضة لافتراءاتهم على النصوص الشرعية في مسائل عديدة مثل إلحاق الأذى بأهل الكتاب، أو الرجم، وقطع الرؤوس، والحرق، والسبي... إلخ.
إن هذه التصورات الخارجة عن نسق الثابت المتعارف عليه، تهدد الأمن الفكري، كلها من الأمور المتشابهات والشبهات سواء من الأحاديث لغير الثقات أو ضعيفة السند أو من العلماء المهجورة أقوالهم التي يقتات منها داعش بغرض فتنة عامة المسلمين لأنها قائمة على ما اختلف فيه العلماء وأقوال شاذة نشاز في كتب التراث الإسلامي، والبحث عمّن يؤجج الفتن الطائفية والمذهبية، التي عفا عليها الزمان وحثت الإنسانية التراب عليها، بالإضافة إلى ولاء الإرهابيين المأمورين بتنفيذ الجرائم الإرهابية للتنظيمات المتطرّفة، وهو ولاء تُضفى عليه زوراً الصبغة الدينية المقدّسة.
كيف نواجه أزلام الخوارج ونتّقي فتنتهم للناس إلا من وعي المؤمن وارتقائه بحدسه وحنكته للتصدي لهم؟ إذ لا بد للمسلم من فكر نقدي يضبط التصورات والأفكار من خلال الآتي:
أولاً: إن المؤمن يجب أن يتحلى بالصفات اللازمة في مثل هذه الموقف العصيبة والمحن، ومنها أن «المؤمن كَيِّس، فـَطـِن»، (فَطِن) ذو بصيرة نافذة لأن الفطنة حدّة البصيرة، والسذاجة المفرطة والوقوع في الخطأ مرة بعد مرة أمر مشين ومنقصة لا تليق بالمؤمن، وفي الحديث: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، والمسلم لا يكون من السذاجة بحيث يخدع، ولا عجب أن قال عمر، رضي الله عنه: «لست بالخِبَّ ولا يخدعني الخبّ»، فلم يكن بالمخادع ولا المخادع يستطيع أن يخدعه، ويجب على المسلم أن يتّقي الشبهات الفكرية والعقائدية إن اشتبهت عليه ابتغاء مرضاة الله وتجنّباً للإثم «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» أي طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين الذي يحصل لمن لا يجتنبها.
ثانياً: تحرير إنسانيته من هيمنة الآخر، لهذا يقتضي بناء وعي الإنسان الحر والمستقل في علاقته مع الله بدون واسطة لجماعة أو فرض الوصاية عليه أو تقديس لكلام المرشد أو نبش لفكر شخص يفصل فتاواه على مقاس زمننا... إلخ، كما في الحديث «استفت قلبك وإن أفتوك»، فإن وجد ما تسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه أخذ به من باب الورع والاحتياط.
ثالثا: حتماً ليس بصحيح أن يختار المسلم ما بدا له من أقوال العلماء سواء أسهل الأقوال أم أشدّها أم ما يتناسب مع هواه أو نزعاته، لأنه بهذه الطريقة يتنصَّل من التكاليف الشرعية الواضحة الجلية، أو أن يتتبع زلّات العلماء واجتهاداتهم التي لم يتفق عليها جمهور العلماء، فإنه بذلك يجتمع فيه الشرّ كله، كمثال أقوال علماء سابقين في أمور توافق رغبتهم المسعورة في القتل وإزهاق الأرواح، وكان في زمانهم فتاوى خاصة بهذا الشأن، ولم يتتبع أقوالهم الأخرى في الأحوال الروحية والمرادات الربّانية، لا يعصم امرؤ من الخطأ مهما تكن مكانته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن منزلته، لهذا قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».
وأخيراً: كي لا يفقد المسلم العادي البوصلة الصحيحة عندما يواجه المحن والزيغ والفتنة ولا يكون لديه القابلية للتطرف عليه أن يدع ما يشك فيه إلى ما يتيقنه ويعلم أنه حلال لا غبار عليه، ففي الحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» لأن أغلب المسائل العلمية مختلف فيها سوى الأركان، وقديماً قالوا: «من تتبع الرخص فقد تزندق».. وأقول: ما يتبعه تنظيم داعش من الشبهات قد يجعله يفسق عن الدين جله وكله، النجاة بالعلم وذوي العقول. (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ).