الثلاثاء 23 ديسمبر 2025 / 23:11

المنطق الجيوسياسي لتدخل الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية

قال الكاتب والمحلل الجيوسياسي الأمريكي جورج فريدمان، إن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، الصادرة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، تعكس تحولاً واضحاً في أولويات واشنطن الاستراتيجية، يقوم على تقليص الانخراط المكلف في نصف الكرة الشرقي، مقابل تركيز متزايد على نصف الكرة الغربي، خاصة أمريكا اللاتينية.

وأضاف فريدمان أن هذا التحول لا ينبع من رغبة أمريكية في الانعزال، بل من إدراك استراتيجي بأن استقرار الجوار القريب شرط أساسي لتخفيف الأعباء العالمية طويلة الأمد.

وأوضح فريدمان، مؤسس ورئيس مجلس إدارة موقع "جيوبولتيكال فيوتشرز" البحثي الأمريكي، في تحليل مطوّل، أن واشنطن باتت ترى في أمريكا اللاتينية ركيزة محتملة لإعادة بناء التوازن الاقتصادي والجيوسياسي الأمريكي، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على آسيا، ولا سيما الصين.

إعادة تعريف الأمن القومي الأمريكي

أوضح الكاتب أن الاستراتيجية الجديدة تنطلق من مسلّمتين مترابطتين: الأولى، أن الولايات المتحدة لا تستطيع الانسحاب الكامل من نصف الكرة الشرقي، لكنها مطالَبة بإنهاء أو تخفيف علاقات عدائية استنزفتها في حروب فاشلة ومكلفة؛ والثانية، أن تحقيق ذلك يتطلب بيئة اقتصادية وجيوسياسية أكثر استقراراً في نصف الكرة الغربي.

وأضاف أن الوثيقة الأمريكية، وإن لم تُصرّح بذلك مباشرة، تدعو إلى انخراط أكثر فاعلية في أمريكا اللاتينية، ليس فقط لضمان الهيمنة الأمنية الأمريكية، بل أيضاً لتعزيز القدرات الاقتصادية لدول المنطقة، بما يسمح لواشنطن بإعادة توزيع أعبائها العالمية.

الدرس الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية

تابع فريدمان أن السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية قامت على إعادة إعمار أوروبا وآسيا، وهو ما نجح أمنياً واقتصادياً، لكنه أفرز نتيجة غير مقصودة: الاقتصادات المتقدمة، مع ارتفاع الأجور وكلفة الإنتاج، أصبحت بحاجة دائمة إلى واردات منخفضة الكلفة من دول أقل تطوراً.

وأوضح الكاتب أن هذه المعادلة بدأت مع أوروبا واليابان، ثم انتقلت إلى الصين، التي تحوّلت بفضل الاستثمارات الأمريكية واعتماد الأسواق الغربية على منتجاتها إلى قوة اقتصادية كبرى، وأضاف أن هذا التطور لم يكن سياسة مقصودة بقدر ما كان نتاجاً لمسؤوليات مالية وتجارية قصيرة الأمد.

لكن الكاتب شدد على أن الإفراط في الاعتماد على مصدر واحد للواردات الرخيصة يمنح هذا المصدر نفوذاً سياسياً خطيراً، وهو ما حدث مع الصين، حيث بات الإدمان الأمريكي على السلع الصينية يمثل تهديداً اقتصادياً واستراتيجياً متنامياً.

أمريكا اللاتينية بديل استراتيجي

قال فريدمان إن المنطق الجيوسياسي الجديد يدفع واشنطن إلى البحث عن بدائل أقرب وأكثر قابلية للضبط، وهنا تبرز أمريكا اللاتينية بوصفها خياراً منطقياً. فتعزيز النمو الاقتصادي في دولها من شأنه تقليص هشاشة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأقصى، والمساهمة على المدى البعيد في تخفيف ضغوط الهجرة.

وأضاف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استقراراً سياسياً نسبياً في دول تعاني حالياً من هشاشة مؤسساتية، وهو ما يجعل التدخل الأمريكي، بصور مختلفة، أمراً شبه حتمي من منظور واشنطن، حتى وإن أثار أسئلة مشروعة حول حق الولايات المتحدة في فرض نفسها على المنطقة.

اقتصاد المخدرات.. العائق البنيوي

أوضح الكاتب أن عدداً من الاقتصادات السياسية في أمريكا اللاتينية بات قائماً، بشكل أو بآخر، على تجارة المخدرات، حيث نجحت عصابات المخدرات في بناء شبكات اقتصادية وعسكرية وسياسية تعيق أي تطور اقتصادي متنوع.

وأضاف أن هذه التجارة لا تضر فقط بالمجتمع الأمريكي، بل تدمّر فرص نشوء اقتصادات وطنية مستقرة وقادرة على الاندماج في النظام العالمي، ما يجعل تفكيك نفوذ عصابات المخدرات هدفاً أمنياً واقتصادياً في آن واحد.

فنزويلا.. نقطة الانطلاق

تابع فريدمان أن التركيز العسكري الأمريكي المتجدد على فنزويلا يرتبط بهذا السياق الأوسع. فالعمليات الجارية في البحر الكاريبي تهدف إلى إضعاف العصابات الإجرامية، ووقف تدفق المخدرات، وفتح المجال أمام استثمار الثروة الكامنة في فنزويلا، لا بدافع الإحسان، بل تحقيقاً لمصلحة أمريكية مباشرة.

وأشار إلى أن حجم القوة الأمريكية المنتشرة في المنطقة يبدو متناقضاً ظاهرياً؛ أكبر من المطلوب لفرض حصار بحري محدود، وأقل من اللازم لغزو شامل. غير أن هذا التناقض، بحسب الكاتب، يفسَّر بعامل إضافي بالغ الأهمية.

كوبا.. العقدة المؤجلة

أوضح فريدمان أن العامل الكوبي يفسّر كثيراً من تفاصيل الانتشار الأمريكي. فكوبا، منذ ستة عقود، تمثل مصدر قلق استراتيجي لواشنطن، لا بسبب قدراتها الذاتية، بل بسبب علاقتها التاريخية مع روسيا، وهو قلق تجدد مع توقيع موسكو اتفاقيات دفاعية جديدة مع هافانا.

وأضاف أن أي محاولة أمريكية لإعادة تشكيل أمريكا اللاتينية لا يمكن أن تتجاهل كوبا، التي لا تزال تنشط استخباراتياً في المنطقة، وتوفّر دعماً أمنياً لنظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مقابل حصولها على النفط الفنزويلي.

وأشار الكاتب إلى أن مصادرة ناقلات النفط مؤخراً تعبر عن نية أمريكية واضحة لقطع هذا الشريان، بما يضغط في آن واحد على كاراكاس وهافانا.

استراتيجية تتبلور وتكتيك يتقدم

خلص فريدمان إلى أن ما يجري ليس سلسلة إجراءات معزولة، بل ملامح استراتيجية أمريكية آخذة في التشكل، تتقدم من الإطار النظري في وثيقة الأمن القومي إلى خطوات عملية على الأرض.

وأوضح الكاتب أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب جعل كوبا، لا فنزويلا، أولوية أولى، لأن تحييدها يقلص احتمال وجود روسي مؤثر قرب السواحل الأمريكية، ويمهد الطريق لإعادة هندسة التوازنات في أمريكا اللاتينية.

الجوار أولاً

يرى الكاتب أن تحوّل الاهتمام الأمريكي إلى نصف الكرة الغربي، وتوسيع حصار النفط الفنزويلي، وحجم الانتشار العسكري، كلها مؤشرات على تنفيذ فعلي لاستراتيجية أُعلن عنها مسبقاً. وقد أعلنت واشنطن نياتها، وبدأت بالفعل في ترجمتها إلى أفعال.

وبحسب فريدمان، فإن استقرار أمريكا اللاتينية لم يعد شأناً إقليمياً ثانوياً، بل بات ركناً أساسياً في إعادة تعريف الدور الأمريكي العالمي، وتقليص كلفة الصراعات البعيدة عبر الاستثمار في الجوار الأقرب.