الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 / 18:40

دولة الإمارات.. حين تصبح الحكمة والهدوء سياسة دولة

في لحظات التوتر الإقليمي، تتباين ردود أفعال الدول بين الانفعال والاندفاع من جهة، وبين الاتزان وتقديم المصلحة العامة من جهة أخرى. وفي سياق ما ورد من توضيحات رسمية حول مستجدات الساحة اليمنية، برز نهج دولة الإمارات العربية المتحدة كما عرفته المنطقة: هدوءٌ محسوب، ولغةٌ دبلوماسية رصينة، وتأكيدٌ ثابت على الأمن والاستقرار، دون مزايدات أو تصعيد.

إن قراءة الموقف الإماراتي تكشف فلسفة متكاملة في إدارة الأزمات؛ فلسفة لا تُدار بالعاطفة ولا تُساق بالشعارات، بل تُبنى على مبادئ واضحة: احترام السيادة، تغليب التهدئة، تثبيت الشراكة الأخوية، والتمسك بالوقائع الموثوقة، مع رفض أي مسار يجرّ المنطقة إلى دوائر جديدة من النزاع.

عندما تختار دولةٌ ما لغة التوضيح بدل لغة الاتهام، فهي لا تمارس سياسة الحكمة والهدوء. فالإمارات، وهي تعبر عن حرصها على أمن المملكة العربية السعودية الشقيقة واستقرارها واحترام سيادتها، تُرسّخ حقيقة جوهرية: أن أمن الخليج منظومة واحدة، وأن حماية الاستقرار لا يكون بزيادة التوتر، بل بإطفاء شرارته قبل أن تتسع رقعته.

وهنا تتجلى قيمة النهج الإماراتي: التحرك من منطلق "منع التصعيد" لا "إدارة التصعيد". فالفارق بينهما كبير؛ الأول يبحث عن حلول وتهدئة، والثاني يترك الأزمات تتفاقم ثم يتعامل مع نتائجها. والإمارات، عبر تأكيدها على التنسيق الكامل مع الأشقاء، تُعيد النقاش إلى مساره الطبيعي: الشراكات تُصان بالتواصل، والاختلافات تُدار بالحكمة، والملفات الحساسة لا تُترك للالتباس أو التأويل.

أهم ما يميز الخطاب الإماراتي أنه لم يُبنَ على ردود فعل عاطفية، بل على مبدأ واضح: رفض الزج باسم الإمارات في توترات الداخل اليمني أو إلحاق أي نوايا بها تمس أمن دول الجوار. هذا الرفض ليس مجرد موقف سياسي، بل رسالة أخلاقية أيضاً: الحقائق تُقال كما هي، ولا تُدار العلاقات بين الدول بالظنون أو التسريبات أو القراءات المجتزأة.

فحين تؤكد الإمارات رفضها لأي أعمال من شأنها تهديد أمن المملكة أو الإقليم، فهي لا تدافع فقط عن موقفها، بل تدافع عن قاعدة الاستقرار الإقليمي: لا أمن لأي دولة إذا صار الاتهام أسهل من التحقق، ولا سلام إذا صارت الشائعة أقوى من الوثيقة.

تؤكد الإمارات أن مقاربتها منذ بداية الأحداث في حضرموت والمهرة كانت احتواء الموقف ودعم مسارات التهدئة والدفع نحو تفاهمات تحفظ الأمن وتحمي المدنيين، وبالتنسيق مع الأشقاء. وهذه نقطة مفصلية في فهم الدور الإماراتي: التهدئة ليست شعاراً، بل سياسة عملية.

فالمناطق اليمنية، بما تحمله من تعقيدات اجتماعية وأمنية، لا تحتمل حلولاً خشنة أو تصعيداً مفتوحاً. وأي توتر إضافي يدفع فاتورته المواطن قبل أي طرف آخر. لذلك، فإن دعم مسارات التهدئة في هذه المحافظات يعكس إدراكاً إماراتياً بأن السلام لا يُصنع بزيادة السلاح، بل بإغلاق أبواب النار التي قد تفتحها حسابات قصيرة المدى.

عندما تتحدث الإمارات عن تفاصيل تتعلق بالشحنات والمركبات والغرض منها، فهي تُقدّم نموذجاً مهماً في إدارة الخلافات: الشفافية. فالردود التي تقوم على "تفاصيل قابلة للتحقق" تُقلّل مساحة التأويل، وتمنع تحويل الملفات الأمنية إلى مادة للاستقطاب أو التشكيك.

واللافت هنا أن الإمارات شددت على مبدأ التشاور والتنسيق داخل إطار التحالف، مؤكدةً أهمية العمل المشترك المؤسسي، لا القرارات المنفردة التي قد تُربك المشهد وتفتح باب سوء الفهم. هذا الطرح يعكس أن الإمارات لا تبحث عن "نقطة إعلامية"، بل عن معيار سياسي: وضوح الإجراءات، وضبط المسارات، وتقديم الشراكة على الانفراد.

في اليمن، لا يمكن فصل السياسة عن الأمن، ولا الأمن عن خطر الجماعات الإرهابية والمتطرفة. لذلك تذكّر الإمارات بأن وجودها جاء ضمن التحالف العربي وبهدف دعم استعادة الشرعية ومكافحة الإرهاب، مع احترام سيادة اليمن. وهذه ليست "صياغة دبلوماسية" فحسب، بل توصيف لواقعٍ عايشته المنطقة: فراغ السلطة والفوضى يشكلان البيئة الأخصب للقاعدة وأشباهها، كما يشكلان مساحة لتمدد مشاريع السلاح خارج الدولة.

إن الحديث عن ضرورة أعلى درجات التنسيق وضبط النفس والحكمة، مع مراعاة التحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب، يضع جوهر الأزمة في مكانه الصحيح: الخطر الحقيقي ليس في اختلافات وجهات النظر، بل في فتح الثغرات التي تتسلل منها التنظيمات المتطرفة. وهنا يصبح نهج الإمارات في التهدئة والتنسيق ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية لحماية المنطقة كلها.

الإمارات في هذا السياق لا تتنازل عن ثوابتها، لكنها أيضاً لا تنجرّ إلى خطاب يزيد الاحتقان. إنها معادلة دقيقة: حزمٌ في الدفاع عن الموقف، وعقلانيةٌ في صياغة الرد، واحترامٌ للعلاقات الأخوية، وإصرارٌ على خفض التوتر. وهذه بالضبط هي "قوة الدولة" كما تُفهم في الدبلوماسية الحديثة: أن تكون واضحاً دون أن تكون مستفزاً، وأن تكون ثابتاً دون أن تكون متشنجاً، وأن تُقدّم الحل السياسي على لغة التصعيد.

المنطقة اليوم لا تحتاج أصواتاً أعلى، بل تحتاج عقولاً أهدأ. واليمن لا يحتمل فصولاً جديدة من التوتر، بل يحتاج إلى تثبيت مسار الحل السياسي، وضمان أمن الملاحة والمناطق الحيوية، وحماية المدنيين، وتجفيف منابع الإرهاب. ومن هذا المنطلق، يبدو الخطاب الإماراتي رسالة متماسكة: مسؤولية بلا انفعال، وحقائق بلا ضجيج، وشراكة لا تقبل العبث، وسلام يُبنى بالحكمة.

إن نهج الإمارات في إدارة هذه الملفات يؤكد أن الدبلوماسية ليست كلمات تُقال، بل ثقافة دولة: تُدرك أن الاستقرار قيمة، وأن أمن الأشقاء خط أحمر، وأن التهدئة ليست ضعفاً بل قوة، وأن حماية المنطقة تبدأ من منع التصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة مفتوحة.

هكذا تكون الحكمة سياسة… وهكذا تُثبت الإمارات، مرة بعد مرة، أن الهدوء ليس صمتاً، بل قرار دولة تعرف متى تتحدث وكيف تتحدث ولماذا تتحدث