الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 / 20:58

شراكة الدم والمصير

في خضمّ البيانات المتبادلة، وما حملته من عبارات حازمة وتوضيحات دبلوماسية محسوبة، تبدو العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أكبر من لحظة توتر، وأعمق من قراءة متعجلة لبيان أو ردّ. 

هذه علاقة لم تُبنَ على المجاملة السياسية، ولا على تقاطع مصالح عابر، بل على تاريخ طويل من الشراكة في الرؤية، وتقاسم الأعباء، والوقوف في الصف نفسه حين تصبح كلفة الصمت أعلى من كلفة الفعل.

البيان السعودي جاء بلغة مباشرة، تعكس حساسية المرحلة وقلق مفهوم في سياق إقليمي شديد التعقيد لا أود الخوض في تفاصيله في خضم الحساسيات العالية، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، وتتحرك فيه الأطراف المحلية بأجندات متباينة، غالبًا ما تُربك الحلفاء قبل الخصوم. 

في المقابل، جاء التوضيح الإماراتي ليضع مسافة محسوبة بين الدولة وبين ما نُسب إليها. 

فقد عبّرت الإمارات عن أسفها لما اعتبرته مغالطات جوهرية في توصيف دورها في الأحداث الجارية في اليمن، مؤكدة رفضها القاطع الزجّ باسمها في التوتر القائم بين الأطراف اليمنية، أو تحميلها مسؤولية أي تصعيد ميداني يمسّ أمن المملكة أو حدودها. 

كما استهجنت الادعاءات المتعلقة بممارسة ضغط أو توجيه أي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية، مشددة على أن أمن السعودية ليس محل جدل، ولا يمكن أن يكون ورقة في أي صراع جانبي أو حسابات غير منضبطة.

ما يلفت في هذا التبادل ليس حدّته، بل سقفه. فحتى في ذروة الاختلاف، ظل الخطاب محكومًا بإطار الأخوّة السياسية، وبإدراك عميق أن الخلاف مهما ارتفعت نبرته لا يلغي التاريخ، ولا يمحو الوقائع، ولا يسمح بإعادة تعريف الشراكة بمعزل عن سياقها الكامل!

ومن الصعب ومن غير المنصف، قراءة أي موقف إماراتي اليوم بمعزل عن سجل طويل من الدعم الصريح للمملكة العربية السعودية، لا في البيانات فحسب، بل في الميدان، فالإمارات لم تكن يومًا حليفًا بالخطابات والبيانات والكلام، بل شريكًا بالفعل، يشهد على ذلك دماء وتضحيات الشهداء ضمن التحالف، انطلاقًا من قناعة الإمارات الراسخة بأن أمن الخليج وحدة واحدة، وأن تهديد طرف فيه هو تهديد للجميع.

شهداء الإمارات في ساحات المواجهة ليسوا تفصيلًا عاطفيًا يُستدعى عند الحاجة، بل حقيقة سياسية وأخلاقية تؤكد أن ما يجمع البلدين أعمق من تباين في التقدير أو اختلاف في التكتيك. 

الدم الطاهر الذي سال لم يكن دفاعًا عن حدود دولة بعينها، بل عن تصور مشترك للأمن، وعن إيمان بأن ترك الفراغ أخطر من ملئه، وأن التراخي أمام الفوضى أعلى كلفة من مواجهتها!

من هنا، فإن أي تباين في وجهات النظر مهما بدا حادًا لا ينبغي أن يُقرأ كشرخ، بل كاختبار طبيعي لعلاقة ناضجة، تعرف كيف تختلف دون أن تنكسر، وكيف تراجع دون أن تتنكر لتاريخها. العلاقات الصلبة لا تُقاس بلحظات الانسجام فقط، بل بقدرتها على احتواء الخلاف دون أن تفقد معناها أو بوصلتها.

في المحصلة، ما بين البيان والردّ، تبقى الحقيقة الأهم أن السعودية والإمارات تقفان في خندق واحد حين يتعلّق الأمر بجوهر الأمن الخليجي، وأن ما يجري اليوم مهما اختلفت القراءات يظل قابلًا للاحتواء داخل إطار الشراكة لا خارجه. فالتحالف الذي صمد أمام الحروب، وقدّم الشهداء، لن تعصف به عاصفة بيانات، مهما كانت صادمة.

وكإماراتية أولاً وخليجية ثانياً آمل احتواء الموقف سريعاً، فما يجمعنا تاريخ ودم وعلاقات أعمق من أي خلاف!