الأحد 11 يناير 2026 / 12:59

الحكم الرابع وشاعر المليون ود. غسان الحسن

منذ انطلاقته الأولى، لم يكن شاعر المليون مجرد برنامج تلفزيوني عابر، بل ظاهرة ثقافية أعادت للشعر وهجه الجماهيري، وفتحت نافذة واسعة للنقد والمتابعة والجدل الإبداعي. 

شخصياً كنتُ من أوائل المتابعين لهذا البرنامج، أترقّب حلقاته، لا كمشاهِدة فقط، بل كمتذوقة للشعر، ومهتمة بتفاصيل النص، وأداء الشاعر وظهوره، وسياق القصيدة، وما يحيط بها من قراءات وتحكيم.

في تلك البدايات، كنت أتابع الشعراء المشاركين، وأدوّن رأيي الانطباعي بعد كل مشاركة، أكتب عن النص لا بوصفه نتيجة، بل بوصفه تجربة: لغته، وصوره، وصدقه، وحضور الشاعر على المسرح، ولم تكن ملاحظاتي محصورة في الشعراء وحدهم، بل امتدت إلى ما يحدث داخل البرنامج نفسه، من إدارة للحلقات، وطريقة تقديم الشعر، وحتى آراء لجنة التحكيم.

في تلك المرحلة، كانت لجنة التحكيم تتكوّن من خمسة أعضاء، فاخترت لمتصفحي الدائم اسم «الحكم السادس»، في إشارة رمزية مني إلى دور المتابع الواعي الذي لا يقف خارج المشهد، بل يشارك فيه نقديًا، ويمنح رأيه بوصفه صوتًا ثقافيًا موازيًا وفتحت باب المشاركات فيه للجميع وهذا المتصفح أبرز كثيراً من الأسماء وشجع آخرين على المشاركة ولا زلت أحتفظ برسائل مميزة من كثيرين منهم!

وحين تقلّصت اللجنة لاحقًا إلى ثلاثة أعضاء، تغيّر الاسم طبيعيًا إلى «الحكم الرابع»، ليبقى المعنى قائمًا: المتلقي شريك في الفعل النقدي والانطباعي لا مجرد متفرج.

هذا المتصفح لم يكن هامشيًا، فقد حظي بأرقام متابعة كبيرة جدًا، وشارك فيه عدد لا يُستهان به من القرّاء والمهتمين بالشعر، وتحوّل إلى مساحة حوار حقيقية حول القصائد، والتحكيم، والبرنامج ككل.

وكان ذلك عبر المنتدى الأدبي «شظايا أدبية»، وهو منتدى عُرف بصرامته الثقافية، إذ لم يكن يقبل العضويات إلا بعد التحقق من شخصيات الأعضاء ونتاجهم الأدبي، ما منح النقاشات فيه عمقًا وجدية، بعيدًا عن الانطباعات السطحية أو التعليقات العابرة.

ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون التوقف عند أهمية شاعر المليون نفسه؛ فالبرنامج لعب دورًا محوريًا في تنشيط الحركة الشعرية، ليس على مستوى الإلقاء والمنافسة فحسب، بل على مستوى النقد أيضًا. فقد أعاد الاعتبار للقصيدة بوصفها نصًا يُناقش، ويُفكك، ويُختلف حوله، وأسهم في خلق جمهور يتابع الشعر، ويسأل عنه، ويقارن بين المدارس والأساليب، كما أتاح للنقد أن يغادر الدوائر الأكاديمية الضيقة إلى فضاء جماهيري واسع.

ومع النجاح الكبير للبرنامج، لم يكن غريبًا أن تظهر محاولات لتقليده، تجارب تسعى لاستنساخ فكرته أو استعادة أجوائه، لكنها بقيت ـ في مجملها ـ أقل ضوءًا وتأثيرًا، لأنها افتقدت إلى العمق والخبرة في إنتاج برنامج شعري، والرهان الحقيقي على الشعر، والقدرة على صناعة حدث ثقافي متكامل كما فعل شاعر المليون.

أما على مستوى التغييرات في البرامج فقد رافق النسخة الأخيرة تغييرات لافتة مثل إطلاق قناة خاصة بالمسابقة اسمها قناة شاعر المليون. وتضم برامج شعرية مصاحبة لشاعر المليون وتنقل اجواء الكواليس وفيها لقاءات مع الشعراء.

وكذلك في هذا الموسم تم إطلاق منطقة فعاليات في ساحة مسرح الراحة، حيث تضم فعاليات شعرية يومية طوال فترة المسابقة. ولها تغطيات تلفزيونية مميزة أسمها درب المليون.

أما عن الجوائز، فقد شكّلت قيمتها المالية والمعنوية عنصر جذب أساسي، إذ منحت الشعراء اعترافًا ملموسًا بموهبتهم، ووفّرت لهم دعمًا حقيقيًا للاستمرار، ورسّخت فكرة أن الشعر ليس هواية عابرة، بل مشروع إبداعي قابل للحياة. 

ومع التغييرات الأخيرة في الموسم الجديد، سواء في آلية التقييم أو شكل الحلقات أو تحديث بعض التفاصيل التنظيمية، يبدو أن البرنامج لا يزال يسعى إلى التجدد، مع الحفاظ على روحه الأساسية.

رغم ذلك وفي خضم هذا الحراك، برز اللغط الذي رافق تعليقًا نقديًا للدكتور غسان الحسن في إحدى الحلقات الأخيرة، حين جاءت عبارته في سياق فني محدود لكنها فُهمت خارج إطارها، حين تم اجتزاء تعليقه على شاعر أردني، وكأنه تعميم يمسّ تاريخ تجربة شعرية عريقة. فالكلام الذي قُصد به، في جوهره، الإشارة إلى التحوّل الذي أتاحه البرنامج لبعض التجارب الشعرية، قرأه البعض قراءة انفعالية، وانطلقت ردود أفعال غاضبة مشحونة بالحساسية والدفاع العاطفي عن الإرث الشعري.

غير أن المتأمل في مسيرة الدكتور غسان، وفي لغته النقدية عمومًا، يدرك أن ما صدر عنه لم يكن إنكارًا ولا انتقاصًا، وأن ما حدث هو اجتزاء لحظة نقدية جرى تحميلها أكثر مما تحتمل. 

لطالما كان د. غسان من المشجعين للشعراء ويركز على تجاربهم ويسلط الضوء على جماليات مشاركاتهم، ويفرح بمشاركة شعراء الأردن مثلما نفرح بمشاركة تجارب شعرية إماراتية.

ولكن كشفت هذه الحادثة، مرة أخرى، عن هشاشة بعض المتلقين في البرامج الجماهيرية، حيث تختلط قراءة النص بتاريخ المكان، وتغيب المسافة الضرورية بين النقد الفني والانتماء العاطفي، النقد الأدبي لا يقلل من تجربة الشعر أو الأدب، ولكن يقومه إذا ما احتاج الشاعر أو الأديب لذلك، والانفعال المبالغ فيه من المتلقي لا يستفيد منه أحد، إنما هو نوع من الإرهاب الفكري الذي لا نحتاجه!

هذه الأصوات الانفعالية المبالغة بردات الفعل هي سبب من أسباب اختناق صوت الناقد العربي!

ربما أخطأ د.غسان الحسن في انتقاء كلماته، أو تم اجتزاء ما قاله ليُفهم عكس ما أراده، لكن المبالغة في الخصومة ليست من شيم العرب !

هذا البرنامج وُجد لتسليط الضوء على جمال الشعر والفكرة والكلمة، ولا يجوز أن تكون ردات الفعل على كلمة غير مقصودة ولم تفهم في سياقها، بكل هذا الانفعال الذي نتابعه على وسائل التواصل الاجتماعي!

في المحصلة، تبقى تجربة الحكم الرابع جزءًا من تجربة أوسع: تجربة متابعة الشعر وهو يُقدَّم للناس، ويُناقش على الهواء، وتتشكل حوله الآراء والاختلافات. وهي شهادة على أن الشعر، حين يُمنح المساحة اللائقة، قادر على أن يكون حدثًا جماهيريًا، وحوارًا حيًا، وذاكرة ثقافية لا تُنسى.