الأربعاء 21 يناير 2026 / 00:40
في مشهد ينذر بتحولات استراتيجية كبرى، يكتب باتريك إم. كرونين أن شرق آسيا يواجه اليوم أخطر اختبار لمنظومة الردع الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة. فمع تصاعد التعددية النووية وتنامي الترسانات الصينية والكورية الشمالية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت سيول أو طوكيو ستفكران في امتلاك القدرة النووية، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على منع حليفتيها من اتخاذ هذا القرار المصيري.
وقال باتريك إم. كرونين، رئيس قسم أمن آسيا–المحيط الهادئ في معهد هدسون، وباحث مقيم في معهد الاستراتيجية والتكنولوجيا بجامعة كارنيغي ميلون، متخصص في قضايا الردع والأمن الإقليمي والتحالفات الأميركية في آسيا، في تحليله بموقع "آسيا تايمز"، إن الردع الموسع الأميركي في شمال شرق آسيا يمر بأزمة مصداقية غير مسبوقة، دفعت اليابان وكوريا الجنوبية إلى إعادة النظر في محرمات استراتيجية لطالما بدت مستحيلة.
الردع تحت الاختبار
وأوضح الكاتب أن توسع الترسانتين النوويتين لكل من الصين وكوريا الشمالية يضع التحالفات الأميركية أمام معادلة جديدة، مشيراً إلى أن الهيمنة النووية الصينية المتوقعة في ثلاثينيات هذا القرن قد تجعل الردع الأميركي عديم الفاعلية عملياً.
وأضاف الكاتب أن قيام نظام نووي ثلاثي الأقطاب يمنح بكين تفوقاً في إدارة التصعيد داخل مسارح العمليات الإقليمية، ما يفرض على الحلفاء اتخاذ قرارات مبكرة بشأن بناء قدرات ردع مستقلة.
وتابع أن التفكير الاستراتيجي في سيول بات يقوم على ثلاثية واضحة: التحالف مع واشنطن ضروري، والردع الأميركي غير موثوق بالكامل، والاستقلال النووي قد يصبح خياراً لا مفر منه.
اليابان تكسر التابو النووي
وأشار الكاتب إلى أن النقاش داخل النخب اليابانية انتقل من مرحلة المحظور إلى التخطيط للطوارئ، رغم استمرار المعارضة الشعبية الواسعة لأي توجه نووي.
وأضاف أن مراجعة المبادئ الثلاثة غير النووية في اليابان قد تمهّد الطريق لامتلاك سريع للسلاح النووي إذا فشل الردع، موضحاً أن قلق الصين من هذا الاحتمال يعكس مخاوف حقيقية من انفلات سباق التسلح في المنطقة.
وتابع الكاتب أن تقريراً صينياً حديثاً وصف اليابان بأنها تهديد نووي محتمل، في إشارة إلى أن هواجس الانتشار لم تعد مقتصرة على كوريا الشمالية وحدها.
كوريا الجنوبية: معضلة أشد تعقيداً
وأوضح الكاتب أن سيول تواجه تحدياً أخطر، في ظل تصنيف بيونغ يانغ لها العدو الرئيس، وهو توصيف يكتسب وزناً أكبر مع تآكل الثقة في المظلة النووية الأميركية.
وأضاف أن تقديرات حجم الترسانة الكورية الشمالية تختلف بشدة، إذ يرى خبراء أن عدد الرؤوس النووية قد تجاوز المئة، لا الخمسين المتداولة، ما يعزز دعوات داخل كوريا الجنوبية لاعتماد خيار الجاهزية النووية.
وأشار الكاتب إلى أن وزير الخارجية الكوري الجنوبي الأسبق سونغ مين-سون دعا صراحة في كتابه "أسوار جيدة، جيران جيدون" إلى الاستعداد لهذا السيناريو.
ترامب والشكوك المتراكمة
وتابع الكاتب أن النهج الصفقاتي للرئيس دونالد ترامب فاقم شكوكاً قديمة حول مصداقية الضمانات الأميركية، مؤكداً أن الرسائل المتضاربة من واشنطن تغذي المخاوف من ترددها في استخدام الردع النووي دفاعاً عن حلفائها.
وأضاف أن غياب تأكيد حاسم من البيت الأبيض بأن أي استخدام نووي كوري شمالي سيقود إلى إنهاء النظام يزيد من حالة الارتياب في طوكيو وسيول.
الصين وروسيا: عناصر تعقيد إضافية
وأوضح الكاتب أن توسع القوة الصينية يفرض ضغطاً استراتيجياً مستمراً، فيما يشكل تعمق الشراكة بين كوريا الشمالية وروسيا ورقة مجهولة لم تحسب واشنطن ولا سيول حساباتها بالكامل.
وأضاف أن سياسة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي-ميونغ، القائمة على تعزيز العلاقات مع اليابان وموازنة الصين، تعكس بحثاً عن تأمين بديل في ظل ضعف الضمانات الأميركية.
الردع الذاتي بدل الانفصال عن التحالف
وأكد الكاتب أن تعزيز الاعتماد الذاتي لا يعني التخلي عن التحالف مع واشنطن، بل إدراك أن الردع المصداقي يحتاج إلى قوات تقليدية قوية، وقدرات صناعية متقدمة، مع إبقاء السلاح النووي خياراً أخيراً.
غير أن الكاتب حذر من أن الخصوم قد لا يفسرون ذلك بهذه البراغماتية، ما قد يدفعهم إلى مبادرات دبلوماسية استباقية أو صفقات سياسية غامضة.
خطر القمم المبكرة
وأضاف الكاتب أن أخطر ما يلوح في الأفق هو احتمال عقد قمم مبكرة بين ترامب وشي جين بينغ أو ترامب وكيم جونغ أون، تُقايض فيها مصداقية التحالفات بوعود فضفاضة بالاستقرار أو بنزع سلاح نووي وهمي.
وأوضح أن الصين تسعى للاستقرار لتكريس طموحاتها السياسية، فيما يسعى كيم إلى الاعتراف به كقوة نووية شرعية بلا عقوبات ولا تحالف قوي في مواجهته.
شرق آسيا عند مفترق الردع النووي
خلص باتريك كرونين إلى أن الواقع النووي الجديد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يفرض التخلي عن أوهام الردع التقليدي والدبلوماسية الرغبوية. وأضاف أن منع انتشار نووي جديد لن يتحقق بالشعارات، بل ببناء قدرات عسكرية وصناعية حقيقية وتعزيز التحالفات على أسس عملية.
وأكد الكاتب أن السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت سيول أو طوكيو ستسعيان إلى الكمون النووي، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على حشد قوة تقليدية كافية لتأجيل تلك اللحظة المصيرية. وختم بالقول إن النقاش حول هذا الخيار لم يعد من المحرمات، بل ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
المصدر:
https://asiatimes.com/2026/01/asias-nuclear-reckoning-and-the-crisis-of-us-deterrence/