الخميس 22 يناير 2026 / 09:22
اطّلعْتُ عبر السنوات العشر الماضية على بعض الأعمال الأدبية والفكرية والاستراتيجية والعسكرية المترجمة عن الصينية، في ظل موجة انفتاح وإقبال من العرب على الصين، دافعها في البداية ـ ولا يزال ـ الاقتصاد بالدرجة الأولى، وقد أمدّتني مطالعتي تلك بزادٍ معرفي، أعتقد ـ جازماً ـ أنه شكَّل لديَّ وعياً وفهما بـ"الآخر القريب" في فضاءات الجغرافيا ـ والحديث هنا قد يخص العرب أبناء القارة الآسيوية في علاقتهم بالصين من حيث الوجود وليس الحضورـ وفي مسارات التاريخ، وفي حركة الحضارة والتمدن، وفي ميراث الحكمة ببعديها الروحي والتنظيري.
وإذا كانت قراءاتي في المنتج الإبداعي الصيني لأجل المعرفة وتشكيل رؤية قد يسّرت لي عمليتي الفهم والتحليل من جهة، والمتعة من جهة ثانية، فإن ما تبعها من تساؤلات ذات طابع إشكالي من طرف المتعمق والحيادي والمتمكن يرينا ما تتوق إليه العقول وما تشتهيه الأنفس، كانت ـ ولا تزال بالنسبة لي هدفاً أسعى إليه، وأحسب أن المبدع علي عطا قد قدم في كتابه الجديد "الأدب الصيني بالعربية.. الترجمة والتلقي والانتشار" (مجموعة بيت الحكمة للثقافة ـ القاهرة 2026م) ما يغني ويسمن من جوعنا المعرفي عربياً في هذا المجال.
لقد استحضر علي عطا كل أدواته الإبداعية التي حقق بها انتصارات في أكثر من مجال (الشعر، الصحافة، الرواية، الدراسات النقدية) في كتابه هذا، صحيح أنه مال ـ نسبياً ـ إلى الترجمة، وربما ذاك ما كنّا نحتاج إليه ونبغي من طرف محايد يُنْهي أو ينقص على الأقل حدة الخلافات حول الترجمة، خاصة من الصينية، وهي تشقّ طريقها نحو اعتراف مؤسساتي أكثر من حضورها على مستوى عناصر النخبة، غير أن ذلك الميل بما يحمله من عبء حسم، لم يقلل من تناول علي عطا للعنصرين الآخرين "التلقي والانتشار". لا يمكن للقارئ ـ وكذلك الأمر بالنسبة للباحث ـ المهتم بالمنتج الإبداعي الصيني من دون رغبة في الخضوع إلى قوة جديدة مستنفرة على المستوى الدولي حاملة لغلبة مقبلة قد يكون خاضعاً لها في المستقبل أو مولعاً بها، أن يعبر إلى محطات الفكر الصيني من دون أن يرى في هذا الكتاب مرجعية تحمل طرحاً جديداً مؤسساً، رغم اعتراف الكاتب بمن سبقوه في هذا المجال، وهم قلة أتى على ذكرهم في بداية الكتاب.
من ناحية أخرى، فإن مثابرة الكاتب علي عطا لأكثر من ثلاثة عقود ـ حديثي هنا يقتصر على شهادتي تأسيساً على علاقتي به بكل أبعادها الإنسانية والإعلامية والفكرية منذ العام 1995م ـ على الذهاب بعيداً في طرح مسائل الإبداع تعطيه الحق في التقييم النقدي ـ إن جاز التعبير ـ في كتابه هذا، وهو هنا يأتي واثقاً في دراسته لدرجة جعلته يتناول الأدب الصيني وهو مشرّع الأبواب على مجالات أخرى في قضايا الفكر والتاريخ والاقتصاد والسياسة لدرجة التداخل، مع وجود ما يفصل بين المجالات الأخرى من دون حدوث خلل في المنظومة الكلية. دخول علي عطا في فضاءات المنتج الإبداعي الصيني ـ على النحو الذي جاء في كتابه هذا ـ يعدّ فتحاً فكرياً عربياً جديداً ليس فقط لأجل معرفة المزيد عن الآخر الصيني، وإنما يحمل وعياً بالانتقال من تلقي الأدب الصيني عربياً في وهلته الأولى ـ سواء أكان صدمة أو إعجابا ــ إلى دراسته فنياً وأدبياً ونقدياً، خاصة لجهة التعاطي مع كُتَّابه، وقد يُفْضي ذلك إلى أن يكونوا في المستقبل المنظور محل اهتمام من عموم القراء وليس الخاصة من المفكرين والباحثين والكتاب، وذلك على نحو تفاعل فيه الصينيون ــ قراءة ونقداً ـ مع مؤلفات بعض مبدعينا من أمثال: نجيب محفوظ، وأدونيس، ومحمود درويش، وجبران خليل جبران، وإيليا أبوماضي، وواسيني الأعرج، وأحمد السعيد وغيرهم. كتاب الأدب الصيني لعلي عطا سيشّكل ـ كما أتوقع ـ مرجعاً مهماً للدارسين والباحثين في الأدب الصيني، وقد يتحول مع الأيام إلى جِسْر معرفي على مستوى الكتابة، وبعبوره يتم الوصول إلى الضفة الأخرى، ضفة الصين، وفي ذلك عودة إلى جذور الانتماء الحضاري والفلسفي والتاريخي والجغرافي للأمم الكبرى، والعرب واحدة منها. بمثل هذا النوع من الكتابة ننتقل قومياً من استعباد واحتلال الغرب لنا لقرون إلى حرية الشرق باعتبارها حواراً مع الذات، وهذا ما أعادنا إليه علي عطا في كتابه هذا.