كتاب الداء والدواء لابن قيم الجوزية (أرشيف)
كتاب الداء والدواء لابن قيم الجوزية (أرشيف)
الجمعة 23 يناير 2026 / 10:57

كتب دينية تدعو للتشدّد تكشف مساراً صامتاً داخل سوق النشر الفرنسي

أثار سحب أحد الكتب الدينية الإسلامية من رفوف سلسلة متاجر "فناك" الثقافية في فرنسا جدلاً واسعاً تجاوز حدود كتاب واحد، ليُعيد فتح ملف أكثر حساسية وتعقيداً: الانتشار الهادئ والمنهجي للأدبيات الدينية المتشددة داخل سوق النشر الفرنسي، وكيف تحوّل الكتاب، بهدوء ومن دون ضجيج، ورغم قوة المنصّات الرقمية، إلى أداة فاعلة في إعادة تشكيل المرجعيات الدينية لدى شرائح من المسلمين في أوروبا.

القضية بدأت مع كتاب ديني قديم فقهي وعظي يعود إلى القرن الـ14، يحمل عنوان "الداء والدواء"، ويُنسب إلى أحد أبرز منظّري الفكر الديني في التراث الإسلامي، ابن قيم الجوزية. ورغم طابعه التراثي، يتضمن الكتاب فقرات تبرّر عقوبات جسدية قاسية، وتتبنّى خطاباً عدائياً تجاه فئات دينية واجتماعية مختلفة، بما في ذلك تبرير القتل على أساس السلوك أو المعتقد، بما يتقاطع مع تيّارات الإسلام السياسي.

جدل سياسي، وكشف لواقع أعمق

الكتاب لم يُسحب من التداول إلا بعد حملة إعلامية وسياسية، قادها ناشط محسوب على اليمين المتطرّف، ما دفع نواباً من أحزاب قومية إلى مساءلة المتجر الثقافي عن أسباب إتاحته للجمهور. وسرعان ما استجابت الإدارة، وسحبت الكتاب من البيع الإلكتروني.

غير أن السؤال الأهم في المشهد السياسي الفرنسي، لم يكن حول سحب الكتاب، بل كيف وصل أصلاً إلى مكتبات عامة كبرى، لا تُصنَّف دينية ولا أيديولوجية. ويرى مختصون في شؤون الإسلام المعاصر، أن السبب يكمن في منطق السوق لا في منطق القناعة الفكرية.

منطق تجاري، نتائج أيديولوجية

تعمل دور النشر والتوزيع الكبرى وفق قاعدة بسيطة: ما يُباع يُعاد إنتاجه وترويجه. وتشير أبحاث في دراسات التطرف إلى أن الكتب الدينية المتشددة تُحقق مبيعات مرتفعة داخل أوساط معينة، ما يجعلها تلقائياً جزءاً من سلاسل التوريد الكبرى، سواء في المكتبات العامة أو على منصّات البيع الإلكتروني.

هذا الواقع يطرح إشكالية خطيرة حول تحوّل التشدد الديني إلى "منتج ثقافي" داخل السوق، من دون مراجعة فكرية أو سياقية للمحتوى. فالكثير من هذه النصوص تُقدَّم باعتبارها "تراثاً إسلامياً أصيلاً"، بينما هي في الواقع تعبّر، وفق خبراء في الإسلام السياسي، عن قراءات مغلقة وإقصائية للدين.

من الترجمة إلى الهيمنة

شهدت فرنسا وأوروبا عموماً منذ عقود، موجة منظّمة لترجمة النصوص الدينية ذات الطابع المتشدد إلى اللغة الفرنسية. هذه الترجمات لم تكن عملاً فردياً عفوياً، بل جزءاً من مشروع فكري متكامل، قادته بالإضافة للحركة السلفية، شبكات دعوية مرتبطة بتيارات الإسلام السياسي، وفي مقدّمتها جماعات متأثرة بأدبيات تنظيم الإخوان الإرهابي، التي ترى في إعادة أسلمة المجتمع عبر الثقافة والمعرفة مدخلاً استراتيجياً بعيد المدى.

وتشير الدراسات إلى أن الإسلام السياسي، رغم اختلافه التنظيمي عن التيارات العقائدية المتشددة، يتقاطع معها في الهدف النهائي، وهو فرض نموذج ديني صارم يعيد تعريف علاقة المسلم بالمجتمع والدولة. وقد لعب الكتاب دوراً محورياً في هذا المسار، باعتباره أداة شرعية وهادئة للتأثير.

التمهيد للفكر المتطرّف

لا تقوم هذه الأدبيات، في معظمها، بالدعوة الصريحة إلى العنف، لكنّها تعيد تطبيع مفاهيم العزلة، ورفض الآخر، وشيطنة المجتمع المحيط. وهنا تكمن خطورتها، بحسب باحثين في دراسات التطرف، إذ إنها تمهّد الأرضية النفسية والفكرية للتشدّد، حتى وإن لم تَدعُ إليه مباشرة.

وقد انعكس هذا التأثير في انتشار أنماط سلوكية متشددة داخل بعض الأوساط المسلمة في فرنسا، مثل التشديد على الفصل بين الجنسين، والانسحاب من الحياة العامة، ورفض المشاركة المدنية، وهي سمات تتقاطع مع أطروحات الإسلام السياسي والتيارات الدينية المتشددة على حدّ سواء.

روحانية مغلّفة بالتشدد

أحد أسباب رواج هذه الكتب يعود إلى تقديمها في قالب روحي جذاب. فالكثير من المؤلفين التراثيين يُقدَّمون بوصفهم أطباء ومرشدين روحيين، ما يستجيب لحاجة حقيقية لدى شباب مسلمين يبحثون عن المعنى والطمأنينة في مجتمعات غربية معقّدة بالنسبة لهم.

غير أن هذه الروحانية، كما تحذّر دراسات التطرف، مشروطة برؤية صارمة للعالم، تقصي الرأي المخالف وتقدّس الماضي، وتغفل السياق التاريخي للنصوص. فالنص يُترجم ويُنشر حرفياً، من دون أي شرح نقدي أو تأطير معرفي، ما يجعل القارئ يتلقّاه كحقيقة مطلقة صالحة لكل زمان ومكان.

في عصر "تيك توك" الكتاب لا يزال الأقوى

رغم صعود المنصات الرقمية، يؤكد باحثون أن الكتاب لا يزال يحتفظ بقوة رمزية استثنائية داخل الأوساط الدينية. ففي زمن "تيك توك"، حيث تنتشر المقاطع الوعظية القصيرة، يبقى الكتاب دليلاً على الجدّية والتدين والالتزام، بل رمزاً للشرعية الدينية.

وهذا ما يفسّر استمرار الاستثمار في النشر الورقي، حتى من قبل التيارات التي تنشط بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي. فالكتاب، بعكس الفيديو، يمنح الفكرة عمقاً واستمرارية وهيبة، ويُستخدم كمرجع يعاد الاقتباس منه وتداوله جيلاً بعد جيل.

مواجهة متأخّرة

أمام هذا الواقع، بدأت السلطات الفرنسية خلال السنوات الأخيرة باتخاذ إجراءات قانونية ضدّ بعض دور النشر الدينية، في إطار مكافحة الانفصالية والتشدد الديني. وشملت هذه الإجراءات تجميد أصول، وحلّ مؤسسات نشر، بعد ثبوت تورطها في الترويج لأفكار متطرّفة أو تبرير العنف.

لكنّ كثيراً من الخبراء يرون أن المواجهة ما زالت متأخرة، طالما أن سوق النشر لا يخضع لرقابة فكرية حقيقية، وطالما يُنظر إلى الكتاب الديني المتشدد كسلعة ثقافية لا كأداة أيديولوجية.