علي شهاب اعتقل بعملية نفّذتها قوات عراقية بدعم استخباراتي سويدي، هو أحد أقرب المقرّبين من زعيم شبكة Foxtrot الإجرامية
الإثنين 2 فبراير 2026 / 12:35
كشف تقرير استقصائي فرنسي عن تحوّل بالغ الخطورة في طبيعة الجريمة المنظّمة داخل أوروبا، حيث لم تعد بعض العصابات مجرد شبكات مخدرات أو عنف ترتكبه داخل المدن، بل باتت أدوات جيوسياسية تُستخدم في صراعات استخباراتية دولية.
ويبرز التقرير، بشكل خاص، كيف تحوّلت عصابة إجرامية سويدية تعرف باسم Foxtrot إلى ذراع غير معلنة للاستخبارات الإيرانية، في تداخل مقلق بين الهجرة غير المنضبطة، والجريمة المنظمة، واستغلال القاصرين، وتنفيذ أجندات دول خارجية على الأراضي الأوروبية.
من نموذج إلى ساحة عنف
وبحسب صحيفة "لو فيغارو"، تعيش السويد منذ سنوات تصاعداً غير مسبوق في العنف المسلح، إذ تسجّل قرابة 400 حادثة إطلاق نار سنوياً مرتبطة بتصفية حسابات بين عصابات إجرامية، وهو رقم صادم في بلد طالما اعتُبر من الأكثر أمناً في أوروبا.
هذا الانفجار الأمني يرتبط بشكل وثيق بصعود شبكات إجرامية جديدة، في مقدّمتها شبكة Foxtrot، التي لعبت دوراً محورياً في تحويل العنف الحضري إلى ظاهرة تتصاعد بشكل متزايد.
والخطير في الأمر، وفق التقرير الذي تناقلته بكثرة منصّات التواصل الاجتماعي، ليس فقط حجم الجرائم، بل في الأسلوب الجديد الذي تمثّل في تنفيذ اغتيالات في وضح النهار، تفجيرات، واستخدام أطفال ومراهقين كمنفذين، ما دفع وزير العدل السويدي سابقاً إلى وصف بعض الهجمات بأنها "إرهاب داخلي".
ضربة لشبكة عابرة للحدود
في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أعلنت وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) عن توقيف شخصية محورية مرتبطة بشبكة Foxtrot، خلال عملية نفّذتها قوات عراقية بدعم استخباراتي سويدي.
ووفق ما أوردته الصحافة الفرنسية، فإن المعتقل شاب سويدي يبلغ 21 عاماً، كان مدرجاً على قائمة أخطر المطلوبين في أوروبا، ويشتبه في ضلوعه بتجنيد قاصرين والتخطيط لعدّة عمليات قتل.
مصادر إعلامية سويدية أشارت بدورها إلى أن الموقوف هو علي شهاب، أحد أقرب المقرّبين من زعيم الشبكة، والمتورّط في هجوم دموي عام 2023 في ضاحية ستوكهولم، إضافة إلى إدانته غيابياً بتدبير أربع جرائم قتل لاحقاً.
وترى الشرطة السويدية أن توقيفه سيُضعف قدرة Foxtrot على العمل خارج السويد، لكنّه لن ينهي التهديد بالكامل.
أطفال مأجورون
من أخطر ما تمّ كشفه هو اعتماد Foxtrot على تجنيد أطفال دون 14 عاماً، وتحويلهم تدريجياً إلى أدوات قتل. إذ تعمل الشبكة وفق نظام هرمي: مُراهقون أكبر سناً يجنّدون أطفالاً من عائلات مهاجرة حديثاً أو من دور الرعاية الاجتماعية للأبناء الذين تمّ سحبهم من والديهم لأسباب مختلفة، ومن ثمّ يكلّفونهم في البداية بمهام صغيرة مثل نقل السلاح أو حراسة مخابئه، قبل الزجّ بالأكثر خبرة وقدرة منهم في عمليات اغتيال مقابل عشرات آلاف اليوروهات.
هذه الاستراتيجية لا توفّر فقط منفذين مستعدّين للمخاطرة، بل تمنح قادة العصابة حصانة غير مباشرة، إذ إن العقوبات المفروضة على القاصرين في السويد أخفّ بكثير من تلك المفروضة على البالغين، ما يجعل الأطفال وقوداً مثالياً لحروب العصابات.
"الثعلب الكردي" والصفقة الإيرانية
يقف على رأس Foxtrot شخص يُدعى راوا مجيد، الملقّب بـ "الثعلب الكردي". وهو وُلد في إيران عام 1986، ونشأ في السويد، قبل أن يشقّ طريقه في عالم الجريمة المنظمة ويؤسس شبكة تهريب مخدرات واسعة. لكن وبعد صراعات دموية مع عصابات منافسة، فرّ إلى تركيا وحصل على جنسيتها عبر ما يسمّى "الفيزا الذهبية"، رغم كونه مطلوباً دولياً.
لكنّ التحوّل الأخطر، بحسب وثيقة استخباراتية منسوبة إلى جهاز الموساد، اطّلعت عليها الصحافة السويدية، فقد عرضت أجهزة الاستخبارات الإيرانية على زعيم الشبكة صفقة صعبة. إذ بعد فرار مجيد إلى إيران واعتقاله هناك في 2024 ووضعه في السجن، تمّ تخييره بشكل واضح بين البقاء في السجون لفترة طويلة جداً، أو التعاون مع الاستخبارات الإيرانية، وهو الأمر الذي اختاره حسبما تشير التقارير.
ومنذ ذلك الحين، يشتبه في أن إيران استخدمت Foxtrot لتنفيذ أو التخطيط لعمليات داخل أوروبا، بينها محاولة تفجير قرب السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم، وإطلاق نار نفّذه قربها لاحقاً مراهق يبلغ 14 عاماً.
الجريمة كغطاء للعمليات السرية
ويخلص التقرير الاستقصائي إلى أن إيران، وبحسب تقارير استخباراتية أوروبية، باتت تعتمد بشكل متزايد على العصابات الإجرامية لتنفيذ عملياتها في الخارج، مستفيدة من طابعها غير الأيديولوجي، وصراعاتها الداخلية، وقدرتها على تجنيد منفّذين مراهقين قابلين لإخفائهم أو عدم معاقبتهم. وتؤكد مصادر استخباراتية أن طهران تدير شبكات متعددة في أوروبا، وأحياناً تستثمر في التنافس الدموي بينها.
ووفق محللين، يتجاوز ما تكشفه هذه القضية ملف الجريمة المنظمة إلى نموذج جديد من الحروب الهجينة، حيث تختلط العصابات بالمخابرات، ويُستخدم الأطفال كسلاح، وتتحوّل شوارع مدن أوروبية هادئة إلى ساحات صراع غير معلن. وهو تطوّر يطرح أسئلة عميقة حول سياسات الهجرة، والأمن في أوروبا.