الثلاثاء 17 فبراير 2026 / 00:29
وسط تحولات جيوسياسية متسارعة، اجتمع ممثلو أكثر من 115 دولة في مؤتمر ميونخ للأمن، الحدث السنوي الذي نادراً ما يخرج بقرارات حاسمة، لكنه يعكس بدقة المزاج السياسي والفكري السائد لدى صناع القرار. هذا العام، بحسب الكاتب جورج فريدمان، طغت قضية واحدة على كل ما عداها: تغيّر نظرة الولايات المتحدة إلى دورها في العالم، وما يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على أوروبا ومستقبل أمنها.
اجتماع أقرب إلى إدارة أزمة
وقال جورج فريدمان محلل استراتيجي أمريكي بارز، في مقاله بموقع "جيوبولتيكال فيوتشرز" البحثي الأمريكي، إن مؤتمر ميونخ هذا العام بدا أقرب إلى اجتماع لإدارة أزمة منه إلى منتدى نقاش تقليدي.
وأضاف أن الأمر لا يتعلق بقرب وقوع كارثة عالمية، بل بتحول عميق في النظام الجيوسياسي الدولي، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حين أقر بأن العالم يدخل مرحلة مختلفة جذرياً، يرى كثيرون فيها تخلياً أمريكياً عن التزامات سابقة.
عندما يتحول التغيير إلى اتهام بالخيانة
وتابع الكاتب أن البشر بطبيعتهم ينظرون إلى التحولات الكبرى بوصفها قوى شريرة لا مجرد تغير في الواقع. وأوضح أن كثيراً من الأوروبيين يفسرون التحول الأمريكي باعتباره خيانة للمعايير القديمة، مستندين إلى شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يرونه متهوراً وغير متزن.
وشدد الكاتب على أن الحقيقة أعمق من ذلك: طبيعة النظام الجيوسياسي نفسها تغيرت، ومعها تغيرت الولايات المتحدة، كما تفعل جميع القوى الكبرى عندما تواجه واقعاً جديداً.
ترامب والتصعيد غير الضروري
وأضاف الكاتب أن ترامب اختار رفع منسوب التوتر حول هذا التحول، وربما فعل ذلك بطريقة درامية وغير ضرورية.
وأكد الكاتب أن جوهر التغيير كان سيحدث بغض النظر عن أسلوب ترامب، لأن التحولات البنيوية في ميزان القوى العالمي تجعل هذا المسار حتمياً.
أوروبا.. الأكثر صدمة من التحول
وأوضح الكاتب أن المنطقة الأكثر تأثراً بهذه التحولات هي أوروبا. وأشار إلى أن الحرب الباردة انتهت فعلياً، وهو ما يتجلى في حدود القوة الروسية في أوكرانيا، الأمر الذي غيّر الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أعادت بناء أوروبا اقتصادياً، وتولت حمايتها عسكرياً من الاتحاد السوفيتي.
وتابع الكاتب أن الاتحاد الأوروبي اليوم يمتلك ناتجاً محلياً إجمالياً يفوق نظيره الصيني بقليل، ما يعني أن القارة لا تفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها.
وأضاف أن روسيا، في المقابل، باتت أضعف بكثير بعد إخفاقها في أوكرانيا وخسارتها نفوذها في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ما يقلل من حجم التهديد المباشر لأوروبا.
مهمة أمريكية
وأوضح الكاتب أن الولايات المتحدة حققت هدفها الأساسي في أوروبا: إعادة بناء قارة غنية وقادرة على حماية نفسها.
وأشار إلى أن واشنطن لم تفعل ذلك بدافع أخلاقي، بل بدافع جيوسياسي بحت، وأن هذا الدافع لم يعد قائماً بالدرجة نفسها اليوم.
أوروبا بين الأخلاق والسياسة
وأضاف الكاتب أن أوروبا تحاول تحويل العلاقة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة إلى التزام أخلاقي دائم، في محاولة لإقناع واشنطن بالاستمرار في تحمّل عبء تستطيع القارة تحمله بنفسها.
وأكد أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على إنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة، تمول من ثروتها الجماعية وتخضع لإرادة سياسية مشتركة.
عقبات ثقافية وتاريخية
وتابع الكاتب أن هناك بعداً ثقافياً لا يمكن تجاهله، إذ إن الحماسة للخدمة العسكرية في أوروبا أقل مما هي عليه في الولايات المتحدة، كما أن تاريخ القارة مليء بالصراعات بين دول سعت إلى تدمير بعضها بعضاً.
وأوضح الكاتب أن هذا الإرث يجعل مسألة بناء قوة أوروبية موحدة تحدياً سياسياً ونفسياً بقدر ما هو عسكري.
سؤال ميونخ الكبير
وأشار الكاتب إلى أن السؤال الجوهري المطروح في ميونخ كان: هل تستطيع أوروبا أن تتحول من قارة دول صغيرة متفرقة إلى قوة عالمية متماسكة؟ وأضاف أن هذا التحول ليس ضرورة جيوسياسية فحسب، بل اختبار أخلاقي وتاريخي لمستقبل القارة.
خلص فريدمان إلى أن تحميل الولايات المتحدة مسؤولية خيانة الماضي لن يساعد أوروبا على مواجهة تحديات الحاضر. فالعالم يتغير، والمعايير القديمة تتلاشى، وما يبقى هو قدرة الدول والقارات على التكيف. إن مستقبل أوروبا لن يُحسم في واشنطن، بل في العواصم الأوروبية نفسها، حين تقرر ما إذا كانت ستتحمل مسؤولية أمنها، أم ستظل أسيرة ذاكرة نظام دولي لم يعد قائماً.