الثلاثاء 24 فبراير 2026 / 23:00
في مشهد لبناني وإقليمي بالغ الحساسية، تشير المؤشرات إلى أن ملف نزع سلاح حزب الله دخل مرحلة جديدة غير مسبوقة، مدفوعاً بزخم داخلي ورسائل دولية متزايدة. ورغم ما يبديه الحزب من خطاب تحدٍّ علني، يرى الكاتب راني بلّوط محلل مخاطر سياسية وباحث مختص في شؤون الشرق الأوسط مقيم في نيويورك، في مقاله بموقع "ناشونال إنترست"، أن موازين القوى تغيرت بعمق بعد حرب 2024 مع إسرائيل، وأن لحظة إعادة تشكيل المعادلة اللبنانية قد تكون أقرب مما يُعتقد.
وقال الكاتب إن التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة، من واشنطن إلى باريس، تعكس تنسيقاً دولياً لدعم الجيش اللبناني بوصفه ركيزة استعادة السيادة، في مقابل تراجع قدرة الحزب على فرض معادلته السابقة.
زخم دولي غير مسبوق
أوضح الكاتب أن زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، وما رافقها من تأكيد على استمرار الدعم العسكري للمؤسسة العسكرية، جاءت في سياق إعادة تثبيت الجيش كقوة شرعية وحيدة حامية للسيادة.
وأضاف أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان- نويل بارو إلى بيروت للتحضير لمؤتمر باريس الداعم للجيش، والمقرر في مارس (آذار)، عكست بدورها تصاعد الضغط الدولي في اتجاه حصر السلاح بيد الدولة.
وتابع الكاتب أن هذا الحراك تزامن مع جلسة استماع في الكونغرس الأمريكي خصصت لملف نزع سلاح حزب الله، إضافة إلى طرح مشروع قانون لمعاقبة أي جهة تعرقل العملية الانتخابية في لبنان، ما يعكس اهتماماً أمريكياً متزايداً بإعادة ترتيب المشهد اللبناني.
ويرى الكاتب أن هذا الزخم يمثل فرصة تاريخية لإعادة رسم معالم الدولة اللبنانية، ليس فقط من منظور السيادة، بل أيضاً في سياق الاستقرار الإقليمي الأوسع.
5 مراحل لتكريس سلطة الدولة
وقال الكاتب إن الجيش اللبناني عرض في 16 فبراير (شباط)، خلال جلسة حكومية، خطة المرحلة الثانية من نزع سلاح حزب الله، طالباً مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد إلى ثمانية، تبعاً للإمكانات المتاحة.
وأوضح أن الخطة متعددة المراحل بدأت بالانتشار جنوب نهر الليطاني، ثم التوسع شمالاً بين الليطاني والأولي، لتشمل لاحقاً بيروت وضاحيتها الجنوبية، ثم البقاع، وصولاً إلى كامل الأراضي اللبنانية.
وأشار الكاتب إلى أن الجيش أعلن استكمال المرحلة الأولى جنوب الليطاني، رغم استمرار الشكوك الإسرائيلية حيال فعالية التنفيذ.
رفض الحزب وخطاب السيادة المضاد
في المقابل، تابع الكاتب، رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إطار الخطة والمهلة الزمنية، معتبراً أن التركيز على نزع السلاح يخدم المصالح الإسرائيلية.
وأضاف أن الحزب يتمسك بتفسيره لاتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 باعتباره محصوراً جنوب الليطاني، رافضاً أي نقاش حول نزع السلاح شماله.
ولفت الكاتب إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون وصف في مقابلة سابقة سلاح الحزب بأنه "عبء على لبنان" ويتعارض مع سيادة الدولة، في موقف رسمي أكثر وضوحاً من السابق.
ورغم الخطاب العلني الذي يربط الاحتفاظ بالسلاح بمواجهة إسرائيل، أوضح الكاتب أن الحزب يسعى، وفق تقارير، إلى ضمانات سياسية وأمنية تحافظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
حزب الله بعد حرب 2024
أكد الكاتب أن الحزب ما يزال يعاني تداعيات حرب خريف 2024 مع إسرائيل، التي أضعفت قدراته العسكرية وقيّدت خطوط إمداده بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
وأضاف أن إسرائيل واصلت عمليات الاستهداف النوعية، ما حال دون إعادة بناء القدرات سريعاً، في حين يواجه الحزب بيئة داخلية أقل حماساً لأي مغامرة عسكرية جديدة.
وأشار الكاتب إلى أن امتناع الحزب عن التدخل خلال حرب إسرائيل–إيران في يونيو (حزيران) 2025، رغم الضغوط، يعكس حسابات واقعية تتعلق بالوضع الداخلي وتراجع الجاهزية.
هل يصمد الجيش في المواجهة؟
أوضح الكاتب أن احتمالات الصدام المباشر بين الجيش والحزب خلال المرحلة الثانية تبدو محدودة وفق تقديرات رسمية، مستشهداً بسوابق أظهر فيها الجيش انضباطاً وحزماً، سواء في حادثة الكحالة عام 2023 أو أحداث الطيونة عام 2021.
وأضاف أن المخاوف من انقسام الجيش على أسس طائفية في حال مواجهة كبرى قد تكون مبالغاً فيها، مستنداً إلى تجربة المرحلة الأولى جنوب الليطاني التي مرت من دون صدامات مباشرة.
غير أن الكاتب أشار إلى مخاطر كامنة، في ظل تقارير عن إعادة تموضع أسلحة الحزب شمال الليطاني وفي البقاع والضاحية الجنوبية، واحتفاظه بترسانة صاروخية كبيرة ووحدات قتالية مدربة.
شبح الحرب والحياد اللبناني
في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، أوضح الكاتب أن لبنان يقف عند مفترق حرج، مع مخاوف من انجراره إلى مواجهة إقليمية جديدة.
وأضاف أن القيادة اللبنانية، ولا سيما الرئيس جوزيف عون، تجري اتصالات دولية مكثفة لإبعاد لبنان عن أي تصعيد محتمل، بالتوازي مع مساعٍ لإقناع حزب الله بعدم الانخراط في أي حرب إلى جانب إيران.
وتابع الكاتب أن أصواتاً سياسية بارزة دعت إلى إعلان حياد لبنان رسمياً، لمنع تكرار سيناريوهات الانخراط القسري في صراعات إقليمية.
بين فرصة تاريخية واختبار الإرادة
خلص الكاتب إلى أن المرحلة الحالية تمثل أخطر وأهم اختبار لسيادة الدولة اللبنانية منذ سنوات. فنجاح المرحلة الثانية شمال الليطاني سيعني انتقال لبنان من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء الدولة على أسس احتكار السلاح بيدها.
غير أن تحقيق ذلك يبقى مرهوناً بدعم دولي ثابت، وتماسك داخلي، وقدرة على تحييد لبنان عن صراعات المحاور. وقال الكاتب إن "اصطفاف النجوم" قد يهيئ الفرصة، لكن ترجمة هذه الفرصة إلى واقع تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة وحسابات دقيقة.