إحدى محطات الغاز في أوروبا (رويترز)
إحدى محطات الغاز في أوروبا (رويترز)
الأحد 29 مارس 2026 / 13:52

هل يكون الغاز المسال في أفريقيا "طوق نجاة" أوروبا؟

تواجه أوروبا ضغوطاً في مجال إمدادات الطاقة مرة أخرى بسبب الحرب الإيرانية، وذلك بعد أن عملت دول الاتحاد الأوروبي بشكل مكثف على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، واتجهت العديد منها إلى الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة وقطر، إلا أن التوترات الجيوسياسية الجديدة أظهرت أن أوروبا لا تزال عرضة لاختناقات الإمدادات.

وأدت الحرب الإيرانية إلى تقليص الإنتاج في قطر وتعطيل طريق التجارة عبر مضيق هرمز بشكل كبير، ما تسبب في ارتفاع أسعار الغاز في تجارة الجملة. ويطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كانت الموارد الضخمة من الغاز الطبيعي المسال في أفريقيا ستكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في المستقبل القريب.

ما هو دور أفريقيا في إمدادات الغاز إلى أوروبا؟

يضطلع الغاز الطبيعي المسال من أفريقيا بدور متزايد، حيث قال المحلل شون هاريسون من شركة الاستشارات البريطانية للطاقة "وود ماكنزي": "القارة غطت في عام 2025 أكثر من 17% من احتياجات أوروبا من الغاز المسال".

وأضاف هاريسون أن الإمدادات جاءت بشكل رئيسي من الجزائر ونيجيريا وأنغولا، إلى جانب كميات من غينيا الاستوائية وموريتانيا والسنغال والكاميرون وجمهورية الكونغو.

ولكن الإمكانات أكبر بكثير، إذ تشير بيانات شركة النفط "بي بي" إلى أن احتياطيات الغاز في أفريقيا تبلغ 12.9 تريليون متر مكعب، متجاوزة قليلاً احتياطيات الولايات المتحدة البالغة 12.6 تريليون متر مكعب. ومن المتوقع أن تفتح مشروعات كبرى جارية، مثل تلك الموجودة في موزمبيق وتنزانيا، ممرات جديدة مهمة قريباً، بحسب وكالة الطاقة الدولية. ويرى محلل الطاقة، ديسيجن نايدو، من معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا أن القارة في وضع جيد لتكون مورّداً طارئاً على المدى القصير، وكذلك للمساهمة في حل مشكلات الإمداد على المدى الطويل.

مشروعات ذات أهمية استراتيجية

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن موزمبيق في طريقها لأن تصبح موقعاً مهماً في سوق الغاز المسال العالمي، حيث تَعِد مشروعات شركتي "توتال إنرجيز" و"إكسون موبيل" بإنتاج أكثر من 30 مليون طن سنوياً. ورغم أن الوضع الأمني غير المستقر بسبب هجمات إرهابية أدى إلى تأجيل بدء الإنتاج عدة مرات، من المتوقع أن تبدأ أولى الإمدادات بحلول عام 2030.

ويرى محللون أن المشروعات التي كانت تعتبر عالية المخاطر، مثل تلك في موزمبيق، سيعاد تقييمها في ظل سوق عالمي متوتر طالما أن هناك توقعات بإمدادات كبيرة على المدى الطويل.

وفي شمال غرب أفريقيا، على الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، دخل مشروع "جريتر تورتو أحميم" للغاز المسال - الذي تديره شركتا "بي بي" و"كوزموس إنرجي" - مرحلة الإنتاج، بقدرة تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً. وتتيح منشآت الغاز العائمة سرعة التشغيل ومرونة في التوريد، كما أن موقع غرب أفريقيا يوفر أوقات نقل أقصر إلى أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة.

كما تزداد أهمية مشروعات الغاز المسال في أنجولا وجمهورية الكونغو والكاميرون والجابون وغينيا الاستوائية بالنسبة لأوروبا، بحسب المحلل براناف جوشي من مقدم الخدمات "ريستاد إنرجي".

ما حجم إمكانات النمو في سوق الغاز المسال الأفريقي؟

تمتلك أفريقيا حالياً ما بين 8 و10% من احتياطيات الغاز المؤكدة عالمياً. وقال نايدو: "هذا الرقم قد يكون أعلى بكثير، نظراً لأن استكشاف الغاز في القارة لا يزال محدوداً"، مضيفاً أن هناك فرصة واقعية لمضاعفة هذه النسبة، وأضاف "تتمتع أفريقيا بإمكانات تفوق تقريباً أي مكان آخر في العالم".

ووفقاً لمنتدى الدول المصدرة للغاز، يمكن أن تستحوذ أفريقيا بحلول عام 2050 على نحو ربع الاستثمارات العالمية في بناء منشآت تسييل الغاز.

ما مزايا صادرات الغاز المسال من أفريقيا؟

يرى خبراء أن الغاز المسال الأفريقي يوفر عدة مزايا رئيسية لأوروبا. فالقرب الجغرافي يعني فترات نقل أقصر وبالتالي إمدادات أسرع مقارنة بالموردين من الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط، بحسب هاريسون. كما تتيح منشآت الغاز العائمة، مثل تلك في السنغال وموريتانيا أو الكونغو، سرعة تشغيل ومرونة في التوريد.

ورغم أن أحجام الإنتاج لا تزال محدودة نسبياً، فإنها توفر وصولاً مستقراً وسريعاً إلى قدرات إضافية تساعد في موازنة الطلب الموسمي أو تخفيف اختناقات الإمداد، بحسب هاريسون.

الاتحاد الأوروبي يطالب بخفض تخزين الغاز في ظل الحرب الإيرانية - موقع 24ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز"، السبت، أن الاتحاد الأوروبي حث الدول الأعضاء على خفض أهداف تخزين الغاز الطبيعي والبدء في إعادة ملء المخزونات الاحتياطية تدريجياً للحد من الطلب، بعد أن أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع حاد لأسعار الطاقة.

ما هي المخاطر؟

رغم الإمكانات الكبيرة، تواجه أفريقيا تحديات كبيرة، إذ تعاني القارة من ضعف البنية التحتية مثل نقص خطوط الأنابيب ومنشآت التسييل ومحطات التصدير، ما يعوق توسع صادرات الغاز المسال. كما تواجه مشروعات كبرى في موزمبيق وتنزانيا تأخيرات متكررة بسبب مشكلات أمنية ولوجستية. وفي دلتا النيجر في نيجيريا، تؤدي الاضطرابات وأعمال التخريب إلى تعطيل الإنتاج بشكل متكرر.

إضافة إلى ذلك، تعاني العديد من الدول المحتملة المصدرة من عدم الاستقرار السياسي وعدم وضوح الأطر التنظيمية وانتشار الفساد. ويؤكد نايدو أن مشروعات الغاز المسال في أفريقيا معرضة بشكل خاص للتقلبات الاقتصادية ومشكلات التمويل.