من تدريبات الإسماعيلي (إكس)
من تدريبات الإسماعيلي (إكس)
الجمعة 17 أبريل 2026 / 11:32

دمج الأندية الجماهيرية في مصر "دواء مر" لواقع مالي مؤلم

تواجه كرة القدم المصرية في الآونة الأخيرة منعطفاً تاريخياً يضع "الهوية" في مواجهة "البقاء"، حيث تصاعدت حدة النقاشات داخل الأروقة الرياضية حول مقترح دمج الأندية الجماهيرية العريقة مع أندية الهيئات والشركات.

هذا المقترح الذي لم يعد مجرد ترف فكري، بل أضحى ضرورة فرضتها الأزمات المالية الطاحنة التي تهدد أندية ذات تاريخ عريق مثل الإسماعيلي، والمنصورة، والسويس، بالاندثار خلف ديون لا تنتهي وتراجع فني مخيف.

فجوة التمويل.. صراع الملايين والجماهير
يكمن جوهر المشكلة في "اختلال ميزان القوى" الاقتصادي، فالأندية الجماهيرية تمتلك القاعدة العريضة والقيمة التسويقية للمسابقة، لكنها تعيش على "إعانات" حكومية لم تعد تكفي لسد رواتب لاعب واحد في "سوق الانتقالات" الملتهب.

في المقابل، تبرز أندية الشركات ككيانات تمتلك الملاءة المالية والاحترافية الإدارية، لكنها تعاني من "يتم جماهيري" يجعل مبارياتها تفتقر للروح والمتابعة، ومن هنا ولدت فكرة "الدمج الاستراتيجي" كزواج مصلحة يمنح الشركات "الشعبية" ويمنح الأندية "الحياة".

المسار القانوني.. من "النادي" إلى "الشركة"
استناداً إلى قانون الرياضة الحالي رقم 71 لسنة 2017، بدأ التمهيد لهذا التحول عبر إلزام الأندية بتأسيس شركات مساهمة لإدارة نشاط كرة القدم. هذا الإجراء القانوني هو "الجسر" الذي يسمح للمستثمر أو لشركات القطاع العام والخاص بالاستحواذ على حصص حاكمة في النادي. وتتجه الأنظار حالياً نحو تعديلات تشريعية مرتقبة تمنح مرونة أكبر في عمليات "التخصيص"، لتمكين كيانات اقتصادية ضخمة من إدارة الأندية الجماهيرية بنظام حق الانتفاع طويل الأمد، أو الملكية المشتركة التي تضمن بقاء اسم النادي التاريخي مع تغيير هيكل إدارته.

تجارب على المحك وهواجس "طمس الهوية"
رغم الجدوى الاقتصادية، يصطدم هذا التوجه بجدار من التخوفات الجماهيرية، فالمشجع المصري يرى في ناديه "إرثاً اجتماعياً" لا يقبل البيع أو الشراء. ويشير الخبراء إلى نموذج "غزل المحلة" الذي طرح أسهمه في البورصة كخطوة وسطية، ونادي "زد" الذي استحوذ على "نادي مصر" كنموذج إداري ناجح، إلا أن تطبيق ذلك على أندية مثل "الإسماعيلي" يتطلب ذكاءً في الحفاظ على المسميات والألوان التاريخية. فالتحدي الأكبر ليس في توفير الأموال، بل في كيفية إقناع الجمعيات العمومية بأن دخول "شريك مالي" لا يعني محو تاريخ النادي، بل هو الوسيلة الوحيدة لمنعه من السقوط في غياهب النسيان.

أمثلة للأندية 
تطرح الأوساط الرياضية حالياً تصورات طموحة لشراكات استراتيجية تهدف إلى دمج "عراقة التاريخ" بـ "قوة الاستثمار"، حيث تبرز عدة نماذج افتراضية قد تشكل طوق نجاة للأندية الجماهيرية المتعثرة.

وفي مقدمة هذه السيناريوهات، يأتي مقترح دمج نادي المنصورة مع البنك الأهلي تحت مسمى "البنك الأهلي المنصورة"، في خطوة تضمن توفير ميزانية "مليارية" تدعم حماس جمهور الدلتا.

كما تبرز في الأفق إمكانية إنقاذ النادي الإسماعيلي عبر شراكة مع قناة السويس أو كبرى شركات الاتصالات، بما يضمن سداد ديونه المتراكمة والعودة للمنافسة القارية تحت مسمى "إسماعيلي قناة السويس".

 وفي مدن القناة أيضاً، يُقترح دمج نادي السويس مع بتروجت لخلق كيان "بترو-سويس" الذي يجمع بين الإمكانيات اللوجستية الضخمة لقطاع البترول والروح القتالية لـ "السوايسة".

أما في الإسكندرية، فتتجه الأنظار نحو إحياء النادي الأوليمبي مالياً من خلال دمجه مع كبرى شركات الشحن والملاحة، ليعود أعرق أندية الثغر إلى واجهة الأضواء بمسمى "الأوليمبي السكندري للملاحة"، وهي خطوات يراها الخبراء الكفيلة بتحويل الأندية من كيانات مستهلكة للدعم الحكومي إلى مؤسسات اقتصادية رابحة وقادرة على المنافسة.

رؤية مستقبلية.. الخصخصة هي المآل
تؤكد المعطيات الراهنة أن الدولة المصرية تتجه لرفع يدها تدريجياً عن الدعم المباشر للأندية، ودفعها نحو "التمويل الذاتي". ويبدو أن السيناريو الأقرب للتطبيق هو نظام "الشراكة الاستراتيجية"، حيث تقوم شركات كبرى برعاية أندية جماهرية متعثرة مقابل حقوق إدارية وتجارية واسعة.

ويبقى السؤال القائم في الشارع الرياضي: هل يتقبل الجمهور رؤية اسم "شركة" بجوار اسم ناديه المفضل في لوحة النتائج، مقابل العودة لمنصات التتويج؟ المؤشرات تقول إن "خبز البقاء" قد يطغى قريباً على "رومانسية الهوية".