صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الأحد 26 أبريل 2026 / 12:18
في ظل تسارع التحولات التقنية عالمياً، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة نحو تبنّي نموذج متقدم في إدارة العمل الحكومي، يقوم على توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في صميم التشغيل وصناعة القرار، ويأتي إعلان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إطلاق منظومة حكومية جديدة تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ (Agentic AI)، ليعكس تحولاً نوعياً في كيفية تصميم وتشغيل الخدمات الحكومية، والانتقال من نماذج رقمية تقليدية إلى أنظمة أكثر استقلالية.
ويطرح هذا التحول تساؤلاً جوهرياً: هل تصبح دولة الإمارات أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي، حيث لا تكتفي الأنظمة بدعم القرار، بل تشارك في صناعته وتنفيذه؟.
وللإجابة عن هذا التساؤل، يوضح الدكتور أحمد جمال، الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء المتطور للتقنيات (SAISS) في دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، وعضو مؤسس في جامعة الذكاء الاصطناعي العالمية بكندا، أن ما تشهده الدولة اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً عميقاً في نموذج الحوكمة ذاته، قائلاً: "لا شك أن هذا التساؤل جاء نتيجة قراءة دقيقة لمسار استراتيجي تسير عليه دولة الإمارات بجرأة غير مسبوقة"، مشيراً إلى أن هذا المفهوم يتجاوز فكرة استخدام التقنيات، ليصل إلى بناء منظومة حكومية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونها وخدماتها، وإعادة تصميم العمليات الحكومية بشكل جذري.
من الحكومة الرقمية إلى الحكومة المعرفية
ولفهم هذا التحول، يوضح دكتور جمال أن الحكومات القائمة على الذكاء الاصطناعي مرت بثلاث مراحل رئيسية، هي: الحكومة الإلكترونية/الرقمية، والتي ركزت على "التحويل"، أي نقل المعاملات من الورق إلى الشاشات، والمرحلة الثانية هي الحكومة الذكية، والتي ركزت على "الاتصال"، من خلال ربط الخدمات وإتاحتها عبر الأجهزة الذكية.
أما المرحلة الثالثة، وهي الحكومة القائمة على الذكاء الاصطناعي، فتركز على "الإدراك والتحليل (Cognition)"، حيث لا يقتصر الدور على أتمتة الإجراءات، بل إعادة هندستها أو إلغائها إذا توفرت حلول أكثر كفاءة.
وتمثل هذه المرحلة نقلة نوعية في فلسفة العمل الحكومي، حيث تتحول الأنظمة من أدوات تنفيذ إلى أدوات تفكير وتحليل واتخاذ قرار.
أين تقف الإمارات عالمياً؟
عند مقارنة التوجه الإماراتي بالتجارب الدولية، يرى الدكتور أحمد جمال أن الدولة تمتلك مزايا تنافسية استثنائية، موضحاً "تملك الإمارات ما يُعرف بـ "الرشاقة الاستراتيجية" (Agility)، انطلاقاً من تعيين أول وزير للذكاء الاصطناعي في عام 2017، وصولاً إلى إطلاق نماذج وطنية ضخمة مثل Falcon وJais، والتوجه لتعيين رئيس تنفيذي للذكاء الاصطناعي في كل جهة حكومية".
ويضيف أن هذه العوامل، إلى جانب البنية التحتية المتطورة ومرونة اتخاذ القرار، تمنح الإمارات قدرة على التحرك بسرعة تفوق العديد من الدول.
مقارنة دولية
ويستعرض الدكتور جمال ملامح التجارب العالمية، بدءاً بالولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أنها رغم امتلاكها لأقوى شركات الابتكار، إلا أن الحكومة الفيدرالية تواجه تحديات مرتبطة بالأنظمة القديمة والبيروقراطية.
أما التجربة السنغافورية فتتفوق في كفاءة "الأمة الذكية"، لكنها تتبنى نهجاً حذراً في إدماج الذكاء الاصطناعي التوليدي مقارنة بالنهج الإماراتي.
وتمتلك التجربة الصينية بنية تحتية وبيانات ضخمة، إلا أن توظيف الذكاء الاصطناعي يتركز في الإدارة المجتمعية والتوجيه الاقتصادي، بخلاف النموذج الإماراتي الذي يركز على جودة الحياة.
ومن هنا يؤكد الدكتور جمال أن المسار الذي تسلكه دولة الإمارات يتجاوز البعد التقني، بل يمثل تحولاً ثقافياً ومؤسسياً، حيث إنها لا تبني حكومة جديدة فحسب، بل تصوغ نموذجاً عالمياً مرجعياً ستسعى حكومات العالم إلى دراسته ومحاكاته.